الصحافة اللبنانية » بين عون والسيد ثقة وتفاهم ووعد

لا شكّ في أنّ الثقة القائمة بين الرئيس العماد ميشال عون والأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصرالله لا تزال قوية، وهي لم تتزعزع لمجرد تفويض الحزب رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي إدارة التفاوض مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف الشيخ سعد الحريري حول وزراء الشيعة، وإن أثار هذا الأمر بعض التساؤلات حول ما هو المقصود منه. كما أنّه ليس صحيحاً أنّ الحزب كان مجبراً على انتخاب الرئيس عون، أو أنّه «حُشر في الزاوية» ولهذا صوّت أعضاء كتلته لوصول العماد عون الى قصر بعبدا.
فما يجمع الرئيس عون والسيد نصرالله أكبر بكثير من الأمور التي تُفرّق بينهما، على ما تقول أوساط سياسية عليمة، والدليل أنّ «ورقة التفاهم» التي وُقّعت في كنيسة مار مخايل منذ عشر سنوات وعشرة أشهر لم تتعرّض للإهتزاز على مرّ هذه الفترة الماضية، رغم كلّ التشكيك الذي ترافق مع وبعد توقيعها، ورغم الأحداث التي حصلت ولا سيما حرب تمّوز 2006 التي جدّدت هذه الورقة ولم تعمد الى إلغائها أو إحداث شرخ فيها، على ما كان يعتقد البعض.
وتقول الاوساط بأنّ «حزب الله» فوّض برّي أمر التشاور بحصته الوزارية ليس لانعدام الثقة بالرئيس عون، إنّما لأنّه لا يريد أن يكون عائقاً أمام تشكيل الحكومة، وقد كان دائماً كذلك لا يتوقّف عند هذه الحقيبة أو تلك. أمّا الحديث عن أنّه لا يُبدي اهتماماً كبيراً بالحقائب لا سيما وأنّه يريد الحفاظ على سلاحه ومن يضمن له بقاء هذا السلاح، فلا ينطبق كثيراً على وضعه الحالي خصوصاً وأنّه لا يُفتّش حالياً عن هذه الضمانات.
فالصدق القائم في العلاقة بين «التيّار الوطني الحرّ» و«حزب الله» لن يتبدّل خصوصاً وأنّ وصول العماد عون الى القصر الرئاسي من شأنه تعزيز هذا الصدق وليس العكس. فالرئيس عون أعلن أنّه سيحتضن الجميع، ولن يكون الحزب خارج هذا «الجميع» أو خارج هذا الإحتضان، على ما يحاول البعض أن يُروّج، أو يحاول إطلاق الشائعات حول فقدان الثقة، ما لم يضمن الرئيس عون للحزب بقاء سلاحه.
وفي واقع الحال، فإنّ «التيّار» والحزب باقيان على الوعد ضدّ الإرهاب والإحتلال الإسرائيلي، وهذان الخطران لا يزالان قائمين ما دام «القضاء الدولي على الإرهاب» لم يصل الى خواتيمه بعد، وما دام الإحتلال الإسرائيلي مستمراً لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا وبلدة الغجر في جنوب لبنان. ولهذا فسيكون من المبكر العمل على تطبيق نظرية حصر السلاح بيدّ الدولة في المرحلة الراهنة، خصوصاً وأنّ الخطر الإسرائيلي لا يزال يُهدّد الحدود الجنوبية، وحتى لبنان بأكمله، والإرهاب سيبقى قائماً ما لم يتمّ التخلّص من التنظيمات الإرهابية بشكل نهائي.
أمّا القول بأنّ الدولة القوية تفرض ألا يكون هناك سلاح خارج سلاح الدولة، أي ألا يبقى سلاح الحزب في حوزته، كما سلاح الميليشيات أو أي مجموعات أخرى، فتقول الأوساط نفسها، إذا كانت الدولة القوية ستقوم بنزع السلاح من كلّ من يملكه خارج إطار الشرعية اللبنانية، فهي لا بدّ من أن تبدأ بسلاح الفصائل الفلسطينية الموجود بكثرة في المخيمات الفلسطينية، قبل أن تلجأ الى نزع سلاح الحزب. كذلك فإنّ سلاح الحزب يتطلّب التوافق على الإستراتيجية الدفاعية أولاً، ومن ثمّ الحوار معه على مستقبل سلاحه في حال انتفت الحاجة لبقائه.
فلبنان بلد التعايش والعيش المشترك، تتقاسم طوائفه وأحزابه وتيّاراته المشاكل المشتركة، وتسعى جميعها لإيجاد الحلول التي ترضي الجميع. وإذا كان «حزب الله» لا يتقاسم مع «القوّات اللبنانية» الكثير، أو أنّ «تيّار المردة» لا يتعاطى أبداً مع «القوّات»، إلاّ أنّ الجميع لا بدّ وأن يلتقي سياسياً في الحكومة، كما في مجلس النوّاب، و سيكون لكلّ من رئيسي الجمهورية والحكومة بعد تأليف حكومة العهد الأولى دور مهم في التقريب في وجهات النظر بين جميع المكوّنات السياسية في البلد.
ومن هنا، فإنّ الحزب لا يملك اليوم أي هواجس حول بقاء سلاحه، على ما أكّدت الأوساط نفسها، كتلك التي كانت لديه في الماضي، إذا ما اعتبرنا أنّه فاز في إيصال العماد عون الى قصر بعبدا، وهو بالتالي سيبقى يستخدم سلاحه  الى حين انتهاء هواجس الشعب من الإرهاب والإحتلال الإسرائيلي. وعندما يحين ذلك الوقت فلكلّ حادث حديث كما يُقال.
ونفت الأوساط أن يكون «حزب الله» من الذين أرادوا عرقلة تشكيل الحكومة خلال فترة قصيرة من الإنتخاب، مشيرة الى أنّ «تحييد» نفسه شخصياً عن المشاورات بشأن تأليفها هدف الى الإفساح في المجال للأطراف الأخرى بالحصول على ما تطالب به من حصّة وزارية. ولعلّ الحزب أراد تفويض أمره الى برّي لكي يتمكّن من تجيير الحقائب فيما بينه وبين الحزب وبين «تيّار المردة» على ما يراه مناسباً، فلا تُعرقل مطالبة أحد هذه الأطراف، الطرفين الآخرين.
أمّا عن إمكانية بقاء «حزب الله» في المعارضة خصوصاً وأنّه من الصعب أن يتوافق مع رئيس الحكومة المكلّف الحريري، فتجد الأوساط، أنّه لا يُمكنه الإنضمام الى الحكومة بملء إرادته، ويقوم بعرقلتها من الداخل، إلاّ إذا اتخذت قرارات ما تتعلّق به شخصياً أو سلاحه. غير أنّ حصول مثل هذا الأمر مستبعد، لأنّه لدى الحكومة ملفات ملحّة كثيرة قبل سلاح الحزب أو أي سلاح آخر ليس بيدّ الدولة.
كذلك فإنّه بمجرّد مشاركة برّي والحزب والمردة في حكومة الحريري، فهذا يعني أنّ الذين كانوا يودّون المعارضة، قد انضمّوا الى الحكم، ولم يعد بإمكانهم المعارضة من الداخل، بل يتوجّب عليهم السعي من أجل إيجاد الحلول المشتركة للمشاكل القائمة والتي تعني المكوّنات السياسية جميعها. كما عليهم التوافق على البيان الوزاري الذي سيصدر عن الحكومة، ومن ثمّ تنفيذ بنوده والإلتزام بها، ولهذا فلا خوف من المعارضين بعد انضمامهم الى الحكومة.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد