الجريمة الالكترونية » حرب التجسس الإلكتروني تستعر بين الشرق والغرب

لندن ـ &laqascii117o;المستقبل"
بينما تجوب الأساطيل البحرية الحربية مياه البحار والمحيطات لإجراء مناورات عسكرية، وتقوم الدول الكبرى باستعراض عضلاتها في تكنولوجيا الأسلحة، وتتصاعد حدة الخطاب السياسي بين الغرب والشرق، وتكثر الأقاويل عن حرب محتملة قد تحدث في أي لحظة بين حلف شمال الاطلسي وروسيا في شرق أوروبا على خلفية الانتهاكات الروسية للسيادة الاوكرانية، او بين الولايات المتحدة والصين بسبب جزر وصخور بحر الصين، يشهد العالم حربًا حقيقية من وراء شاشات الكومبيوتر يكرسها اعتماد وزارات دفاع هذه الدول الكبرى على مجموعات من الأخصائيين في برمجة الكومبيوتر والقرصنة الالكترونية وسرقة المعلومات.

ولعل نقطة التحول في هذه الحرب التجسسية الالكترونية التي تصاعدت السنة لهبها بشكل تدريجي منذ العام 2006، كان تمرد عدد من عملاء الاستخبارات الاميركية السابقين على اساليب التجسس والمراقبة التي يمارسها الغرب ضد عشرات الملايين من الناس حول العالم من دون التمييز بين زعيم دولة او ارهابي او انسان عادي.

وفيما شكل موقع &laqascii117o;ويكيلكس" الالكتروني ومديره الاسترالي جوليان أسانج اول هزة لأجهزة الاستخبارات الاميركية بعد نشره مئات آلاف الوثائق الديبلوماسية الأميركية تعود أغلبها لسفارات واشنطن حول العالم، الا ان الضربة الاكثر ايلاماً التي كانت بمثابة طعنة مباشرة في ظهر الاستخبارات الغربية عموماً والأميركية والبريطانية خصوصاً تمثلت في انشقاق عميل الاستخبارات الاميركي السابق ادوارد سنودن ولجوئه الى روسيا في عام 2013، اذ انه اضافة الى كشفه عن عمليات التنصت والتجسس التي تقوم بها الاستخبارات الغربية عبر شبكة الانترنت واجهزة الهواتف الذكية فهو حمل بحوزته كنز معلومات يتضمن بيانات شديدة الاهمية متعلقة بشبكات التجسس الاميركية والبريطانية حول العالم.

سنودن خائن ام كبش فداء؟

ظهر سنودن في بادئ الامر في هونغ كونغ قبل ان يمنحه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اللجوء في موسكو عام 2013. وقللت الحكومات الغربية في المرحلة الاولى التي تلت انشقاق سنودن من اهمية المعلومات التي في حوزته، ربما عن قصد لعدم اثارة الذعر في صفوف أجهزتها الاستخباراتية، وربما أيضاً عن جهل بكمية البيانات التي تمكّن الجاسوس المنشق من تسجيلها قبل مغادرته الأراضي الأميركية. وما اعاد سنودن الى الواجهة مجدداً اليوم هو سلسلة الاختراقات التي طالت المنظومة الاكترونية الاميركية في البنتاغون ووكالات الاستخبارات منذ العام الفائت. ورغم ان الاعلام الاميركي ركّز على اتهام الصين بشن هجمات الكترونية لقرصنة معلومات تتعلق بمنظومة الدفاع والامن الاميركية، الا أن صحيفة الـ&laqascii117o;صانداي تايمز" البريطانية ووسائل اعلام بريطانية اخرى بينها الـ&laqascii117o;بي بي سي" اعادت فتح قصة سنودن من جديد عبر نقل معلومات من قادة الاستخبارات البريطانية الخارجية (ام اي 6) مفادها بأن لندن اضطرت الى سحب جواسيسها من بعض الدول واستبدالهم او تعليق مهماتهم بشكل موقت نظراً لورود تأكيدات أن روسيا والصين تمكنتا من فك شيفرة المعلومات التي في حوزة سنودن، بما في ذلك بيانات قد تفضح أسماء وهويات عملاء بريطانيا حول العالم. وهذا ما دفع الادارة البريطانية الى التصرف بسرعة حماية لأمن جواسيسها ولقطع الطريق أمام أي محاولة روسية او صينية لعرقلة مهمات يديرها البريطانيون في اي بلد في العالم.

لكن عدداً من الناشطين المدافعين عن الحريات في لندن وواشنطن شكّكوا في مزاعم أجهزة الاستخبارات البريطانية ورغبة قادتها بتحميل المسؤولية لسنودن في تعريض الامن القومي لبريطانيا والولايات المتحدة للخطر، واعتبروا ان الادارتين الاميركية والبريطانية تحاولان تجريم سنودن لوضع المزيد من السلطات التجسسية الالكترونية في يد الاستخبارات مستقبلاً. بينما تساءل الرأي العام في البلدين عما اذا كانت السلطات مقصرة في التصدي للهجمات الالكترونية الصينية والروسية وأردات استخدام سنودن مجدداً ككبش فداء بإلقاء اللوم عليه في الاختراقات الاخيرة والتستر على عجز في قدرات الغرب على مجاراة الصينيين والروس في الحرب الالكترونية الدائرة.

وتجدر الاشارة الى ان سنودن عندما انشق اعلن انه اراد &laqascii117o;الكشف عن برامج التجسس الهائلة التي تقوم بها الاستخبارات الغربية على الملايين من الناس الابرياء حول العالم"، رغبة منه في &laqascii117o;الحفاظ على الحريات وخصوصية الناس" وانه &laqascii117o;ليس في صدد تسليم معلومات سرية الى دول أخرى". وأعلن انه سعى الى اللجوء الى دول في اميركا اللاتينية وان السلطات الأميركية لو أرادت القبض عليه فعلاً لأتاحت له مغادرة روسيا الى اميركيا اللاتينية وقبضت عليه هناك مشيراً الى ان &laqascii117o;الحكومة الأميركية تعمدت بقاءه في موسكو لإيهام الشعب الاميركي بأنه خائن.

روسيا وإيران تتجنبان الانترنت والهواتف الذكية

المعلومات التي كشف عنها سنودن أكدت شكوك النظامين الروسي والايراني في شبكة الانترنت والهواتف الذكية. ونظراً لورود معلومات بأن إحدى الجهات المجهولة، رجح أنها اسرائيل، تتجسس على جلسات المفاوصات النووية بين الدول الست وايران، فقد امرت طهران سياسييها وديبلوماسييها بعدم إدخال أجهزة هواتفهم الذكية الى أي جلسات حوار. وكانت إيران، ما قبل حسن روحاني، طورت شبكة الانترانت المحلية الخاصة بها داعية شعبها الى التخلي عن شبكة الانترنت، لكن هذا الامر تم التراجع عنه ربما بشكل موقت مع انتهاج سياسة الانفتاح العالمي التي روج لها روحاني منذ انتخابه رئيساً للبلاد. ولعل القصة الاطرف في ما تعرضت له ايران على ايدي القراصنة الغربيين كان انطلاق موسيقى الـ&laqascii117o;هارد روك" لتصدح من مكبرات صوت اجهزة الكومبيوتر الايرانية الخاصة بالبرنامج النووي، وذلك في اطار حرب الكترونية طويلة خاضها الغربيون ضد طهران كان ابرز حلقة فيها فيروس &laqascii117o;ستوكسنت" الذي فتك باجهزة البرنامج النووي الايراني وعرقل عملها.

في المقابل، اعلن بوتين العام المنصرم عن مشروع روسي لتعميم بدائل عن البطاقات المصرفية الالكترونية التي تصدرها شبكتا &laqascii117o;فيزا" و &laqascii117o;ماستركارد"، والعمل على ايجاد بديل روسي عن شبكة الانترنت نظراً لأن هذه الشبكة وتحديداً وسائل التواصل الاجتماعي عليها ما هي الا فخ من صنع الاستخبارات الغربية ينبغي ان تخرج روسيا من شباكه في اقرب فرصة. والحرص الروسي على الحذر من الانترنت منح موسكو ذريعة قوية لكم الأفواه وتشديد الرقابة على معارضي الرئيس الروسي. لكنه لم يمنع بوتين من وضع استراتيجية عكسية استغلت من خلالها الاستخبارات الروسية شبكة الانترنت في قرصنة معلومات سرية تخص المنظومات الدفاعية الغربية. وكانت سوريا شهدت في ايام الثورة السلمية حرباً الكترونية حقيقية نجح الروس فيها بشكل واضح في دعم مصالح نظام بشار الأسد عبر استراتيجية قرصنة مكنته من الكشف عن اماكن قيادات الثوار الاكثر شعبية داخل سوريا واغتيالهم الواحد تلو الآخر.

واشنطن تتهم بكين بالقرصنة

وجهت الولايات المتحدة الاسبوع الفائت اتهاماً مباشرًا الى الصين بقرصنة قاعدة بيانات أميركية سرية تحتوي ملايين الاسماء والمعلومات التي تخص عسكريين وجواسيس يعملون لصالح واشنطن داخل الولايات المتحدة وخارجها، وردت بكين بنفي اي صلة لها بالهجوم الذي تعرضت له منظومة المعلومات الالكترونية الاميركية التابعة للبنتاغون ووكالات الاستخبارات. والاختراق الالكتروني الاخطر جاء في سلسلة هجمات بدأت منذ شهر كانون الاول الفائت، لكن السلطات الاميركية لم تتمكن الا مؤخراً من اكتشاف مدى خطورة الاختراقات وحجم الداتا التي سرقها قراصنة، كانت وزارة الدفاع الاميركية اكدت انهم يستخدمون اجهزة في الصين لشن هجماتهم.

وكان البيت الابيض اعلن في بيان بتاريخ الثامن من حزيران الجاري ان &laqascii117o;المحققين الاميركيين على درجة عالية من الثقة بأن أنظمة تحتوي بيانات بمعلومات شاملة عن حياة ملايين من العاملين السابقين والحاليين في خدمة الحكومة الاميركية قد تم اختراقها". وقال مسؤولون اميركيون ان التحقيقات الاميركية تشير الى ان مصدر الهجمات هو اجهزة موجودة جغرافياً في الصين وهذا يعني ان بكين تقوم بشن حرب تجسسية على واشنطن. لكن الحكومة الصينية سارعت الى نفي هذه الاتهامات وهو ما دأبت عليه منذ العام 2012.

وأفادت وكالة &laqascii117o;إسوشييتد برس" الاخبارية من مصادر أمنية اميركية ان البيانات التي يعود أقدمها الى العام 1985 تشمل تفاصيل شخصية عن عسكريين وجواسيس أميركيين مثل لون العينين والوضع المالي والحالة الصحية ووسائل الاتصال بالموظف وباقاربه واصدقائه". ووصف مسؤول اميركي سابق في شعبة مكافحة التجسس يدعي جويل بيرنر تلك المعلومات التي حصل عليها القراصنة بأنها &laqascii117o;منجم ذهب"، موضحاً انها &laqascii117o;تتيح للصينيين القدرة على التعرف على هويات جميع الاشخاص المسموح له بالوصول الى معلومات سرية داخل مفاصل الدولة الاميركية". وحذر من ان الصين قد تستخدم هذه المعلومات في اي محاولات مستقبلية لتوظيف جواسيس لها داخل الولايات المتحدة. واشارت المصادر الى أن الاختراق الذي طال معلومات تخص موظفين في الحكومة الأميركية خلال الأسبوع الفائت، اخطر مما اعتقد للوهلة الاولى، ففيما قدرت الحكومة الاميركية رسمياً عدد من تعرضوا لسرقة بياناتهم بنحو 4 ملايين شخص، إلا أن مسؤولين مطلعين على مسار التحقيقات أكدوا لـ&laqascii117o;اسوشييتد برس" ان العدد قد يصل إلى نحو 14 مليوناً.

وكرد فعل على سلسلة الاعتداءات هذه، أعلنت ادارة الرئيس الاميركي باراك أوباما تبني المزيد من الاجراءات للحفاظ على سلامة المنظومة الالكترونية الاميركية وصد هذه الهجمات.

الشعبة 61398 في الجيش الصيني

خبراء الانترنت لا يصدقون نفي بكين التي كانت شنت في فترة سابقة هجمات الكترونية استهدفت قطاع الصناعة الأميركي لسرقة معلومات خاصة بكيفية التصنيع لدى بعض الشركات من اجل تقليدها وبيع سلع مشابهة لسلعها بأسعار أرخص بكثير في السوق العالمية. وكان عدد من خبراء مكافحة القرصنة الالكترونية الذين يتابعون منذ سنوات الحرب الالكترونية التي يشنها الصينيون ضد الغربيين عموماً والاميركيين خصوصاً أن فرق عملهم تمكنت من الكشف عن وجود خلية خاصة بالقرصنة الالكترونية وسرقة المعلومات والإبتكارات أنشاتها الحكومة الصينية تستهدف بشكل رئيسي المؤسسات الغربية في الولايات المتحدة الاميركية وبدرجة اقل الشركات البريطانية والكندية. ونشرت شركة &laqascii117o;ماندينت" الاميركية المتخصصة بمكافحة القرصنة الالكترونية تقريراً مفصلا عن التحريات التي أجراها فريق عملها المتخصص في رصد مصدر الاعتداءات التي طالت بين عامي 2006 و2012 شريحة واسعة من كبرى المؤسسات في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا. وحدد التقرير الذي صدر في شباط 2013 واطلعت &laqascii117o;المستقبل" حينها على مضمونه &laqascii117o;خلية سرية تابعة لجيش التحرير الشعبي (اسم الجيش الصيني) تدعى الشعبة 61398 ومقرها في مدينة شانغهاي، اغلب الاعتقاد انها تقف وراء الاعتداءات الالكترونية. لقد قامت هذه الخلية بعدد كبير من الهجمات الالكترونية ضد شريحة مختلفة من المؤسسات. وتعتبر الصين طبيعة عمل الخلية 61398 سراً من اسرار الدولة".

وأوضح التقرير &laqascii117o;تقع الشعبة 61398 في حي بودونغ في مدينة شانغهاي الصينية. وهو حي يعتبر أحد أهم معاقل المنظومة المصرفية والمالية في الصين. وتضم هذه الخلية على الارجح آلاف الموظفين الذين يتقنون اللغة الانكليزية وبرمجة الكومبيوتر وعمليات الانترانت والانترنت". وقامت هذه الخلية بسرقة مئات التيرابايت (التيرابايت الواحد يساوي تريليون وحدة رقمية بايت) من الداتا من نحو 141 منظمة عالمية على الاقل وهذه المنظمات هي مؤسسات تعمل في مجالات مختلفة. ولقد بدأت الخلية سلسلة هجماتها منذ العام 2006. ومعظم الضحايا مؤسسات مقرها الولايات المتحدة الاميركية وهناك البعض من الشركات الموجودة في بريطانيا وكندا. والمعلومات المسروقة تتضمن تفاصيل عن عمليات دمج الشركات والتعاون في ما بينها والرسائل الالكترونية الخاصة بكبار موظفي تلك الشركات، اضافة الى مخططات تكنولوجية واساليب التصنيع ونتائج تجارب وغيرها من المعطيات الاكثر خصوصية لأي شركة في العالم.

ولم توضح قوى الأمن الأميركية إذا كانت هذه الشعبة الصينية نفسها تقف أيضاً وراء الاعتداءات التي بدأت في الفترة الأخيرة تستهدف الأسرار الأمنية والعسكرية الأميركية، لكن يرجح على نطاق واسع أن يكون عناصرها وراء الاعتداء، ربما من مقرهم في شانغهاي أو من أي موقع آخر داخل الصين.
المصدر: صحيفة المستقبل

2015-06-21 22:13:30

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد