- صحيفة 'السفير'
وسيم ابراهيم
نقرأ في جنريك نهاية الفيلم الوثائقي أن من صوره إثنان: مصور من &laqascii117o;بي بي سي"، و&laqascii117o;ناشطون من درعا". هذا اعتراف استثنائي بصحافيي الميدان الجدد. إنهم لم يعودوا &laqascii117o;مجهولين" تماما، فها هم يندرجون كجزء من فريق أنجز فيلماً تنتجه واحدة من أعرق المؤسسات الإعلامية. لكنه فيلم أيضا يدور حولهم بشكل ما، ومن فيديوهاتهم يأخذ مادته الرئيسية وينسج حولها.
وأمام الواقع الذي تفرضه السلطات السورية بمنع وسائل الإعلام من الدخول والعمل، هناك واحد من حلين: إما التخفي والمخاطرة بالدخول، أو الدوران على الحدود السورية ورصد ما يرشح خارجها. الخيار الأخير هو ما اعتمده الفيلم الذي أنجزته صحافية &laqascii117o;بي بي سي" جين كوربن، وعرضته قناتها ضمن برنامج &laqascii117o;بانورما" أخيراً. لكن الصحافية لم تكتفِ بالسير على أطراف الحدود السورية، فوجود ناشطي الداخل أنجدها بحلّ مد خيط ينقل حرارة الحدث السوري. حل من شقين: إكمال سيرة الفيديوهات التي نقلوها سابقا، ولقاء شخصياتها، وأيضاً إنجاز مهمة تصوير لصالح الفيلم ذاته. هكذا يلعب الفيلم على قصة هامة، لكنه أيضاً يصنع داخلها حبكة وحكاية تخصه.
يبدأ الفيلم بلقطة طويلة لشارع في درعا، تلتف الكاميرا إليه وتكمل عبورها. لوهلة، يستغرب المشاهد إمكانية أن تقوم كاميرا بهذه اللقطة، خصوصاً أننا في درعا. ما يغشّ أيضاً هو دقة الصورة، وجودتها. بعد لحظات نفهم اللعبة: إنهم صحافيو الميدان. يخرج أحدهم، ويشرح كيف قاموا بالتصوير. لديهم كاميرات صغيرة الحجم، وبدقة عالية. يغطون النافذة الخلفية للسيارة بلوح أسود، ويثقبون فيه دوائر صغيرة، منها تطل فتحة عين الكاميرا لترصد واقعاً تصر السلطات على حجبه عن العالم. هناك، في مؤخرة السيارة، في الملابس، وفي كل مكان تتاح منه فتحة عين على الواقع، ستربض تلك الكاميرات وتسجل الشهادات الوحيدة على ما يحصل في سوريا.
المخاطر دائماً موجودة، ومعدة الفيلم ترافق بالشرح إحدى الفيديوهات التي يتعرض مصورها للإصابة بطلقة، بعدما كان مع متظاهرين آخرين يتحدثون إلى قوى الجيش. أبو أحمد، أحد صحافيي الميدان في درعا، يصور نفسه في شهادة للفيلم، ويقول: &laqascii117o;كنت أخاف كثيراً وأتردد عندما أنزل إلى درعا، لكن ما يحصل، ومعنويات الناس العالية، كانا يحفزانني".
هكذا يأخذ الفيلم، أو يسرّب، شريان حياة من داخل سوريا، ليبني آنيته الخاصة. لكن الشريان الآخر الذي يغذيه هو أيضاً من الداخل. الصحافية تجول على الحدود، وتلتقي بالعديد من الشخصيات التي لها علاقة بفيديوهات عرضت سابقاً. يأخذ الأمر شكل إعادة إحياء قصة الفيديو، أو إكمال سيرة شخصياته. هكذا، تلتقي الصحافية العقيد رياض الأسعد، وتكمل معه من بعد إعلان انشقاقه مع ضباط آخرين، وتشكيلهم &laqascii117o;الجيش السوري الحر". يتحدث الأسعد عما دعاهم للانشقاق، وعمن يتحمل مسؤولية الانتهاكات والجرائم التي تحصل في سوريا. يصير حدث الفيديو، عبر الفيلم، واقعاً راسخاً بحكاية ممتدة وحية.
هنا تحضر الشابة هالة عبد العزيز، وتستعيد أمام الصحافية تلك اللحظات المأساوية التي عاشتها. لقد رأت والدها يلفظ أنفاسه، أمامها، على شاشة الكمبيوتر وهي المقيمة في الولايات المتحدة. رأت فيديو نشره الناشطون من درعا، وهناك كان الناس يحملون رجلاً مسناً يلفظ أنفاسه الأخيرة بعدما نال منه الرصاص. تعلق هالة وهي تسترجع دامعةً تلك اللحظة: &laqascii117o;لقد مات في الفيديو.. رأيته وهو يفارق الحياة". بنفس المعالجة، يبث الفيلم الحياة في حكاية أخرى...
الفيلم يلتقي أيضاً شهوداً خرجوا من سوريا، وليكمل احتفاله بالفيديو، يرصد أيضاً حكايات الناشطين الذين يساعدون في نشره خارج حدود البلد. فتلك المشاهد المهتزة التي التقطها، كما يكرر الفيلم، هي الوثيقة الوحيدة التي تشهد بأن هذا ما حدث. وثيقة تفضح ما يحصل، وتحفظه، وتأخذه إلى المحاكم. لذلك، ربما، لم تجب السلطات السورية عندما طلبت الصحافية ردهم على الانتهاكات. كما قالت. عرض التلفزيون البلجيكي هذا الفيلم وهو بعنوان: &laqascii117o;كاميرتي سلاحي".
2011-10-21 02:09:57