تلفزيون » كوابيس تكنولوجيا المعلومات في «المرآة السوداء»

- صحيفة "الحياة"
محمد موسى

لا توجد قناة تلفزيونية في العالم أكثر انشغالاً من القناة الرابعة البريطانية في البحث عن أشكال جديدة للبرنامج التلفزيوني، واكتشاف واستقطاب المواهب التي تهز وتعبث وأحياناً تفجر التركيبة التقليدية للتلفزيون، لتصل إلى مبتغاها ببرامج، اصبح كثير منها يشير سريعاً إلى الهوية المتميزة الملامح للقناة البريطانية. وهي الهوية التي أضحى الحياد عنها، مأزقاً للقناة نفسها. ففي المرات التي تقوم فيها القناة الرابعة البريطانية بإنتاج برامج، لا تختلف كثيراً عما يعرض في عدد من القنوات التلفزيونية الأخرى، تواجه عواصف من النقد من الصحافة البريطانية، ومن المشاهدين أنفسهم الذين يستنكرون على القناة أن تعرض برامج يمكن مشاهدة مثيلاتها على عشرات القنوات التلفزيونية.

تحمل سلسلة أفلام المرآة السوداء التي عرضتها القناة البريطانية أخيراً، تجريباً لافتاً، ومقاربة مختلفة لموضوعات الخيال العلمي.

فالشخصيات في المسلسل تبدو شديدة المعاصرة، وكأنها خرجت للتو من عصرنا الحالي، لتوضع في زمن آخر (أبقاه المسلسل مجهولاً)، محتفظة بكل الطباع، والهواجس والأمنيات والبحث المستمر عن الحب التي يحملها أبناء هذا الزمن. كما أن هذه الشخصيات، تواجه تحديات ترتبط بتكنولوجيا مألوفة، لكنها تقدم في المسلسل بتضخيم مرعب، وكأنها، أي التكنولوجيا، أضحت قوة تفوق قوة الفكر الإنساني الذي ابتكرها.

في الجزء الأول من السلسلة، تُختطف أميرة من العائلة الملكية البريطانية، لكن الهلع الذي سيضرب البريطانيين ليس مرده خطف أميرة شابة محبوبة فقط، بل مطالب الخاطف، والذي يشترط أن يقوم رئيس الوزراء البريطاني بعمل فاحش في بث تلفزيوني حي، يشاهده الملايين حول العالم، كمطلب وحيد لإطلاق سراح الأميرة. ليست القصة وحدها ما يثير الجزع الذي يصل إلى الاشمئزاز، بل التفاصيل التي تخص «انفلات» وسائل الإعلام الحديثة، فمواقع إلكترونية مثل موقع الفيديو «يوتيوب» وموقع الأصدقاء «فايسبوك» دفعا وسائل الإعلام التقليدية من الواجهة، وأنشآ سلطتهما الخاصة القوية، ووفرا مكاناً مثالياً لأشد نزعات النفس البشرية تطرفاً، من دون أن يجرؤ احد على النقد.

يعيش سكان مدينة الجزء الثاني من سلسلة «المرآة السوداء» في غرف صغيرة تبدو كغرف سجن هائل تحت الأرض. جدران هذه الغرف شاشات تلفزيونية تعرض من دون توقف برامج تلفــزيونية وإعلانـــات. في مساءات تلك المدينة، يتابع السكان، المــعزولين عن بعضهم، البرنامج التــلفزيوني الأكبر لاختيار المواهب الغنـــائية، والذي يقدم بالتــركيبة الشائعــة ذاتـها، ولكـن بسلطة تفوق أي سلطة أخرى في المدينة، ليــبدو الهدف النهائي للبرنامج، أي إيجــاد فنان موهــوب، لا معنى له في مدينة تحت الأرض، يعيــش سكانها من دون حب وعلاقات إنسانية سوية.

تطارد الذاكرة بشر الجزء الأخير من السلسلة، فلا شيء يمر أمام اعيننا، لا تسجله أجهزة صغيرة تركب تحت الآذان. انه جحيم حياة من دون «نسيان»، و من دون «مغفرة». وبدل القصص الواسعة السابقة يقدم الجزء الأخير قصة شخصية عن الحب والوفاء والخيانة.

تحمل الأفلام الكثير من القسوة وتبشر بهزيمة ومستقبل سوداوي لعالم، لم يحسن التعامل مع التكنولوجيا، ليتركها تقوده إلى الوحدة والانعزال. لكنّ ما يميز هذه الأفلام عن عدد من أفلام الخيال العلمي، أن الخيال الذي يحركها، يحمل جذوراً يعرفها مشاهدوها جيداً وبموضوعات بعضها يستأثر باهتمام علماء الاجتماع منذ سنوات، الأمر الذي يجعلها تقف بين أفلام الخيال العلمي والدراما الاجتماعية المعاصرة، والتي تلجأ إلى الرعب كأسلوب لدفع المشاهد للتفكير بعلاقته بالتكنولوجيا.

2012-01-16 05:02:52

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد