- صحيفة 'السفير'
جنان جمعاوي
ممرض من ليبيريا، وممثل من كولومبيا، وجندي أميركي سابق، وطبيبة من غواتيمالا.. هم مختلفون حد التنافر، ولكنهم متشابهون حد الالتصاق. تجمعهم تجربة مرعبة. جميعهم عصبت أعينهم.. وكانوا ضحايا تعذيب. وجميعهم يروون حكايتهم في الفيلم الوثائقي &laqascii117o;بينيث ذا بلايند فولد"، أو &laqascii117o;تحت عصبة العينين".
الفيلم، الذي عرض أول أمس في شيكاغو (مدته 80 دقيقة)، وهو من إخراج اينس سومر وكاثي بيرغر، يعطي لهؤلاء، وعبرهم إلى 500 ألف شخص نجوا من التعذيب ممن يعيشون في الولايات المتحدة، الفرصة ليحكوا حكايتهم، علّهم يدفنونها.
في دردشة مع طلاب من جامعة &laqascii117o;نورث ويست" الأميركية، قالت سومر إن فيلمها يروي قصص أربعة ناجين من التعذيب، يناضلون يومياً لتجاوز التداعيات المؤلمة، على مستوى الذاكرة والنفس، للرعب الذي عاشوه عندما كانت &laqascii117o;أعينهم معصوبة"، مشيرة في الوقت ذاته، إلى أن الفيلم يحمل رسالة أمل وإلهام، &laqascii117o;في كل مرة نشاهد فيها هؤلاء الشجعان وهم يتقدّمون في حياتهم، رغم صعوبتها، وهم يحاولون معالجة أنفسهم وإسماع صوتهم".
استوحت سومر وبيرغر قصة الفيلم، الذي استغرق إنتاجه ست سنوات، من المشاهد المروعة التي شاهدناها عند الكشف عن فضيحة سجن أبو غريب، في العراق. حينها لم تستضف الشاشات سوى القيادات العسكرية والسياسية، إما للاستنكار أو لتهدئة الخواطر بمنح الوعود بإجراء التحقيقات ومحاسبة المسؤولين. من الضحايا لم نسمع سوى الأنين، أنين الجسد والروح المكسورة. لم يكترث أحد لمعرفة ماذا حلّ بهم، الآن بعدما بات العراق &laqascii117o;ديموقراطية" على الطراز الأميركي!!
لم تكن المخرجتان تملكان ما يكفي من الموارد للسفر إلى العراق، لإنتاج فيلم عن ضحايا أبو غريب. عندها قررتا البحث عن ضحايا نجوا من التعذيب، في الولايات المتحدة. هؤلاء كثر ويبلغ عددهم نحو نصف مليون شخص. لمَ لا، طالما أن ضحية الجلاد واحد؟
أصعب المهمات لدى إنتاج الفيلم كان &laqascii117o;بناء الثقة" بين الضحايا والمخرجتين، كما قالت سومر. أبطال فيلمها &laqascii117o;لا يثقون بأحد في العالم"، وإنتاج فيلم وثائقي عنهم، يحتاج للكثير من الثقة، خاصة أن الفيلم لا يقف عند كونهم ضحايا، بل يتتبع تفاصيل حيواتهم، بعدما نزعوا عن أعينهم &laqascii117o;العصبة".
الآن، وقد بنيت جسور الثقة بين الجانبين، كان لا بد من حقن الضحايا ببعض الشجاعة للوقوف أمام الكاميرا. وقالت سومر إن أبطال الفيلم &laqascii117o;كانوا يخشون من عواقب وخيمة قد تلحق بأُسَرَهم أو أصدقائهم في بلدانهم"، ناهيك عن الخشية من &laqascii117o;افتضاح أمرهم" أمام زملائهم الأميركيين. كيف لا، وكان استطلاع لمعهد &laqascii117o;بيو" نشر في 2007، أظهر أن 43 في المئة من الأميركيين يعتقدون أن &laqascii117o;التعذيب مبرر للحصول على معلومات".
في &laqascii117o;تحت عصبة العينين" يروي هكتور اريزيتزابال، الذي تعرض للتعذيب على أيدي الشرطة الكولومبية لأن شقيقه كان ماركسياً، كيف راودته الكوابيس سنوات طويلة، وكيف &laqascii117o;كنتُ أتخيّل نفسي وأنا أمارس على جلادي أنواعاً من التعذيب لا يمكن أن يتخيّلها العقل"، قبل أن يتمكن، في نهاية المطاف من العودة والعمل.
أما بلاما ماساكوا فأجبر على حمل السلاح وهو صغير في ليبيريا، قبل أن يأسره المتمردون الذين أجبروه على تجرع مسحوق للغسيل، ما أضرّ بحنجرته. هو اليوم يتلقى دروساً في التمريض لأنه &laqascii117o;يريد أن يساعد الآخرين، تماما مثلما ساعده الكثيرون في تجاوز تجربته".
من جهته، كان الأميركي دونالد فانس يعمل متعاقدا في العراق في العام 2006. هناك رأى بأم عينيه كيف تتم الرشى، كان شاهداً على فصول من الفساد وإساءة استخدام السلاح، قبل أن &laqascii117o;يرميه" الجيش الأميركي في منشأة تقع في &laqascii117o;أرض المقاتلين الأعداء"، حيث تعرض للتعذيب طوال ثلاثة أشهر. هو اليوم يقاضي وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد لانتهاكه حقوقه الدستورية.
بطل آخر في الفيلم يدعى ماريو فينيـغاس، قال انه عندما شاهد صور أبو غريب، تذكّر على الفور تجاربه الخاصة في تشيلي قبل 30 عاماً.
هنا، أوضحت مجلة &laqascii117o;ذا اتلانتيك" الأميركية أن &laqascii117o;العديد من تقنيات التعذيب مرتبطة بوكالة الاستخبارات المركزية، التي مررتها بدورها إلى أجهزة الاستخبارات في أميركا الجنوبية، عـبر مركز أمـيركي غير معروف للتدريب على مكافحة التمرد في فورت بينينغ".
أما ماتيلد دو لاسييرا فكانت طبيبة تقدم الخدمات للسكان الأصليين في غواتيمالا. راق للجيش حينها أن يستولي على الأرض حيث يقع مركز عملها. هددها كما هدد بقية الطاقم الطبي هناك.. قبل أن تتعرض للتعذيب.. والإغتصاب.
في أحد مشاهد الفيلم، تظهر ماتيلد وهي تشارك في تظاهرة ضد الحرب على العراق، تبكي وتصرخ &laqascii117o;سأستجديكم كما استجديت جلادي.. كفى أرجوك"!
2012-01-20 00:51:13