- صحيفة 'السفير'
ممرات مظلمة ومتعرجة تفتقر إلى النوافذ، أسقف هشة تتدلى منها المياه في بعض الأماكن، الناس والأوراق يتغيرون دوماً، وجدران غرف التحكم تومض مع الشاشات المخصصة لنقل لقطات حية للمباني والوجوه والكلمات. من الخارج، يستحيل الدخول إلى هذا المبنى، فجدرانه أحيطت بالجنود والأسلاك الشائكة. أما من الداخل، فجميع الاتجاهات تبدو أشبه بمتاهة. يمسك الجنود بالبنادق الآلية لحراسة هذا الحصن الذي يعمل فيه نحو 43 ألف موظف في قلب العاصمة المصرية... أهلاً بكم في مبنى التلفزيون المصري.
لطالما كان التلفزيون المصري لسان حسني مبارك، لكنه تحول اليوم إلى أداة في ايدي القادة العسكريين للبلاد. &laqascii117o;إنه الأداة الأقوى في يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، يقول الناشط الشبابي صالح فكري، مضيفاً: &laqascii117o;هذا ما يفسر التواجد الكثيف للضباط داخل المبنى لحمايته".
بعد عام على سقوط مبارك، بات الإعلام الرسمي يجمع بين متناقضات: التحذير من التراجع في البورصة المصرية في موازاة التأكيد على قوة السوق، وإقناع المشاهدين بأن المنظمات غير الحكومية تسعى الى تقويض الديموقراطية المزدهرة في مصر، في موازاة بث لقطات حصرية للاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الشرطة، وهي لقطات لا يمكن لأي قناة تلفزيونية خاصة الحصول عليها لأن تصويرها يتم من داخل وزارة الداخلية.
وفي الوقت الذي يكافح فيه المصريون للتخلص من تركة الحكم الاستبدادي، والانتقال نحو مجتمع حر وديموقراطي، فإن التلفزيون الرسمي المسيّس قد يكون إحدى العقبات الكبرى التي تعترض طريقهم.
أصبحت البرامج الحوارية على قناة &laqascii117o;النيل للأخبار" تتحدث إلى &laqascii117o;البلطجية"، وتحذر من التدخل &laqascii117o;الأجنبي" في الشؤون المصرية، وتدق ناقوس الخطر إزاء تصاعد حالات الجريمة وعدم الاستقرار الأمني، وتتحدث عن التظاهرات التي ينظمها الشباب ضد حكم العسكر على أنها أنشطة مزعزعة للاستقرار.
وفي هذا الإطار، تقول الأستاذة في قسم الصحافة في الجامعة الأميركية في القاهرة رشا عبد الله إن &laqascii117o;التعرض بشكل مكرر لشيء ما على مدى فترة ممتدة من الزمن قد يكون له تأثير قوي على كيفية بناء الناس لواقعهم"، مضيفة: &laqascii117o;كلما قلّبت المحطات، ستستمع إلى أحدهم وهو يصف الناس في (ميدان) التحرير بأنهم بلطجية، عندئذ سيتكوّن لديك رأي مشابه تجاه هؤلاء".
وترى عبد الله أن الإعلام الحكومي خلق &laqascii117o;ثقافة خوف" تخدم مصالح المؤسسة العسكرية بشكل مباشر. فنشرات الأخبار تسلط الضوء على البلطجة والجريمة والاقتصاد المترنح، وتلقي اللوم في ذلك على المتظاهرين والعملاء &laqascii117o;الأجانب". وتوضح: &laqascii117o;تلك خدعة قديمة... يمكنك أن تنشر الخوف كي تجعل الناس مستعدين للتنازل عن حقوقهم الشخصية".
ولعل هذا ما دفع بشباب الثورة إلى تنظيم حملات للتنديد باستغلال العسكر للإعلام الرسمي، بغرض تشويه سمعتهم. وقد أطلق الناشطون حملة &laqascii117o;كاذبون" لمقارعة الإعلام بالإعلام، وذلك من خلال عرض لقطات لانتهاكات العسكر خلال تجمعات في ميادين مصر وأحيائها. لكن منافسيهم يبدون أكثر قوة.
ويقول الناشطون إن من بين الأمثلة الأكثر خطورة في تأثير وسائل الإعلام الرسمية منذ الثورة كانت في التاسع من تشرين الأول الماضي، حين قامت قوات الجيش بقتل المتظاهرين أمام مبنى التلفزيون، المعروف باسم مبنى &laqascii117o;ماسبيرو". يومها تخطت رشا مجدي نطاق التغطية الإعلامية الموضوعية، عندما حرّضت الناس للنزول إلى الشارع &laqascii117o;لحماية الجيش من هجمات المسيحيين".
لكن بعض العاملين في وسائل الإعلام الرسمية يرون أن الانتقادات مبالغ فيها. ويقول مكرم محمد أحمد، وهو كاتب عمود في صحيفة &laqascii117o;الأهرام": &laqascii117o;إنهم يتهمون الصحافة بالوقوف وراء أعمال العنف... عندما لا يملكون الشجاعة لقول الحقيقة، فإن أسهل ما يمكنهم القيام به هو اتهام الصحافة".
رغم ذلك، فإن عاملين في هذه الآلة الإعلامية يرون أن ثمة حاجة للإصلاح. وفي هذا الإطار، يقترح رئيس تحرير &laqascii117o;قناة النيل" أحمد شرف أن يتحول التلفزيون الرسمي إلى مؤسسة إعلامية على غرار شبكة &laqascii117o;بي بي سي" البريطانية، مع ضرورة إلغاء وزارة الإعلام، كي تكون هذه المؤسسة قادرة على العمل في إطار سياسة تحريرية مستقلة... حلم قد يكون صعب التحقيق.
ترجمة وسام متى
(عن 'التايم' - بتصرف)
2012-03-07 02:30:30