- صحيفة 'الحياة'
قيس قاسم
البصل يقرر مستقبل أحزاب سياسية عريقة في الهند، والذُرة تخيف حكومة المكسيك، وللقهوة الأفريقية يجندون بنوكاً دولية. هذا التوصيف، وعلى ما فيه من سخرية، يعكس واقعاً عالمياً جديداً حاول التلفزيون السويدي تقديمه ضمن برنامج خاص بـ &laqascii117o;أزمة الغذاء العالمية"، كَلَف لمعرفة حقيقتها وما إذا كانت مفتعلة في الأساس، فريقاً منه توزع أعضاؤه في أكثر من قارة، أجروا في بعض بلدانها مقابلات وقاموا بتسجيلات كثيرة كَوَّنت في حصيلتها صورة عن حجم الخطر الحقيقي الذي يهدد قوتنا اليومي بالشحة واحتمال موت ملايين فقراء العالم جوعاً بسببها.
على الارتفاعات الحادة في أسعار المواد الغذائية، وبخاصة الأساسية منها مثل القمح والرز والبطاطا والذرة وغيرها، بنى البرنامج فكرته وراح يتقصى أسباب الأزمات التي توزعت بين معطيات طبيعية مثل مواسم الجفاف والفيضانات الموسمية وبين &laqascii117o;تكهنات" تشيعها بورصات الغذاء الخام، وتلعب دوراً فعالاً في تحديد أسعار المنتجات الزراعية في الأسواق العالمية مثل محاولة بعض الدول استخدام المحاصيل الزراعية كوقود طبيعي بديلاً عن النفط ومشتقاته وأخرى سياسية تروج لها سلطات حكومية في أكثر من مكان تقول إنها ستحمي المزارعين وتعدهم بالحفاظ على مستوى ثابت لأسعار منتجاتهم.
الذُرة تخيف حكومة المكسيك
ارتفاع أسعار الذُرة في المكسيك دفع الناس إلى التظاهر والاحتجاج على سياسات حكومتهم المتبعة في المجال الزراعي والتي تراعي فيها مصالح أصحاب المزارع الكبيرة من دون الالتفات إلى المزارعين الصغار، ومقابلة الصحافي السويدي لإحدى الخبازات في العاصمة مكسيكو سيتي تكشف الغلاء الحاصل في سعر رغيف الشعب اليومي. فسعر كيلوغرام من خبز الذرة &laqascii117o;تورتيلا" وهو المصدر الأساسي لعيش الشعب وعصب حياته الحقيقي، ارتفع من 6 بيزو خلال شباط (فبراير) الماضي إلى عشرة وطن الذرة الصافي وصل إلى 55 ألف بيزو، ما اضطر المخابز إلى رفع سعر الرغيف الواحد فقَّلَ طلب الناس على خبزها وقَلَ معه مستوى معيشتها الضعيف أصلاً.
ويتوقع الاقتصاديون كما جاء في مقابلات بعضهم تصاعد الحراك الجماهيري واحتمال وصول ذروته إلى درجة يقترب فيها من تظاهرات 2007، ولهذا تحاول الحكومة تطمين الشارع بوعود وإجراءات من بينها إبرام عقود لمواسم كاملة تثبت خلالها سعر الذُرة وتحميها من مضاربات &laqascii117o;بنوك المواد الخام" وتقلل من تأثير تكهناتها على المزارعين. فأسعار المواد الغذائية عنصر فعال في السياسة الاقتصادية العالمية.
تحولت المنتجات الزراعية الخام إلى مواد تشبه في أهميتها المعادن، ولا تقل قيمتها اليوم عن النحاس ولهذا فإن حركة البنوك والمضاربات اتسعت لتشمل الموارد الزراعية الخام.
البصل الهندي يسقط حكومات
الغذاء القليل كان على الدوام سبباً في مجاعات الهند على رغم وفرة الأراضي الصالحة للزراعة فيها وكثرة الأيدي العاملة، ومع الوقت صار توافر البصل بوصفه المادة الأساس التي تدخل في كل طعام هندي وتعطيه مذاقاً طيباً يطغى على فقر محتوياته، صار رمزاً لتوافر الحد الأدنى من شروط استمرار الحياة.
وفي الجولة التي صاحب بها أحد معدي البرنامج السيدة مالين مندل عرفنا قيمة البصل في طعام الهنود ودوره في حياتهم السياسية، فهو من يساعد في نجاح الأحزاب للوصول إلى قيادة الأقاليم أو على العكس يسبب في تراجعها، وبالنسبة لها سعر كيلو البصل هو المقياس الذي تقيس به صدقية أي حكومة محلية ووفقها تقرر ما إذا ستنتخب ممثليها في الدورات المقبلة أم لا. ويرى أحد المحللين السياسيين الهنود كلام مندل تعبيراً عن رأي ملايين من الهنود، فسعر البصل قد أسقط حكومتين محليتين على الأقل خلال العقد الماضي وأن مكانة ومصير حزب كبير كحزب المؤتمر الهندي مرهون في جزء كبير منه بمدى نجاحه في تطبيق سياسة اقتصادية تُثَبت فيها أسعار المواد الغذائية وفي مقدمها البصل، هذا إذا لم يحاول خفض سعره، بخاصة أن أحزاب المعارضة تسعى متعمدة لرفع سعره باستمرار عبر تقديمها رشاوى كبيرة لأصحاب المزارع والمخازن من أجل رفعهم الأسعار وبالتالي المساعدة في إضعاف شعبية الحزب الحاكم وإسقاط حكوماته المحلية في المناطق الأشد فقراً على وجه التحديد.
في ظل الارتفاع المستمر في أسعار المحاصيل الزراعية، يزداد عدد الفقراء وتقل كمية ونوعية استهلاكهم للغذاء، فهؤلاء هم الخاسر الأكبر من السياسات المتبعة اليوم، والتي يجني الأثرياء منها أرباحاً هائلة. لهذا يرى البروفسور تيم لانغ أن إلغاء العمل بمضاربات الغذاء الخام و &laqascii117o;تكهنات" بنوكها أولى الخطوات للحل، فوجودها يشكل تهديداً لحقل الزراعة. ويشدد أن المتوافر من الغذاء يكفي لإشباع الجميع على كوكبنا بشرط توزيعه بعدالة، فالمشكلة مفتعلة ويكمن جوهرها في سوء التوزيع لا في الإنتاج نفسه، وأن الرهان على الإنتاج الزراعي البسيط سيشجع الفلاحين على العمل في حقولهم الصغيرة وجني ثمارها لأنفسهم لا لشركات عملاقة تستغل قوتهم وزرعهم وتهددهم، فوق كل هذا، بالموت جوعاً.
2012-05-21 13:56:46