تلفزيون » أزمة المصادر: حكاية المخطوفين نموذجاً

200184176_430_01- صحيفة 'السفير'
غفران مصطفى

المخطوفون اللبنانيون التسعة في سوريا، ما زالوا معلّقي المصير. لكن حادثة خطفهم وضعت تحت المجهر، كما تعاطى الإعلام اللبناني مع الأزمات المماثلة. خلال الأيام الماضية، غاب أبو ابراهيم عن الشاشة، واحتلّت المساحة صور استقبال المحرّرين عوض ابراهيم، وحسين عمر... لكن خبر نعي الأحد عشر مخطوفاً الذي تبنّته الشاشات اللبنانية بالإجماع لا يزال ماثلاً أمام أعين اللبنانيين، كمثال عن الإرباك الإعلامي المرافق لتغطية القضيّة. &laqascii117o;المخطوفون اللبنانيون الـ11 في سوريا بخير"، &laqascii117o;ننعى بكل أسف مقتل الـ11 مخطوفاً"، &laqascii117o;إصابة 7 من المخطوفين ومقتل 4"، &laqascii117o;تم نقل المخطوفين إلى مكان آمن"، &laqascii117o;المخطوفون في أعزاز تحت القصف". هذه بعض الأخبار التي بثتها المحطات الأرضية والفضائية إثر خطف الـ11 لبنانياً. وهي أخبار تدعونا إلى السؤال عن كيفيّة تدقيق الصحافيين بمصادر معلوماتهم، قبل تبنّيها، وبالتالي بثّها على الشاشة. تعاطي الشاشات مع الحدث، غلّب السرعة على الدقّة، ما خلّف نتائج مؤذية وخصوصاً في صفوف الأهالي. في صدارة هذا المشهد، كان امتحان المهنة. فما الذي دفع بعض المراسلين إلى التسرّع في بثّ أخبار غير مؤكّدة؟ &laqascii117o;محطات أخرى كانت سبقتنا إلى بثّ خبر مقتل المخطوفين الأربعة، وكنا قد حصلنا عليه قبل الجميع، لهذا اضطررت إلى إعلانه فوراً، بكل أسف، بعد المقدمات عن كونهم تعرّضوا لإصابات بعد قصف أعزاز"، تقول مراسلة &laqascii117o;الجديد" نوال بري. السبق هو المعيار إذاً؟ ولكن ما فائدة السبق إن كان الخبر خاطئاً؟ في قضيّة شائكة كهذه، يصير البحث عن مصدر موثوق صعباً ربما. وفي حالة المخطوفين اللبنانيين، تعددت مصادر المعلومات التي لجأ إليها كل مراسل، وفي مقدّمتها الجهة الخاطفة أي أبو إبراهيم ومجموعته (وهو مصدر غير موثوق بالضرورة كونه طرف منحاز)، وبعدها من دخل على خط المفاوضات من جهة المعارضة السورية وهيئة العلماء المسلمين وآل المقداد، والمصادر الرسمية اللبنانية والتركية والسورية، التي لم تكن حاضرة بالشكل المطلوب، ما اضطر المراسلين إلى اللجوء لمصادر أوقعتهم في فخ &laqascii117o;نواياها" السياسية.
قناة &laqascii117o;الميادين" مثلاً، تولّت نفي خبر مقتل الـ11 مخطوفاً الذي تناقلته محطات عدة، ومن المصادر التي لاذت إليها، يقول مراسل &laqascii117o;الميادين" وصحيفة &laqascii117o;النهار" عباس صباغ &laqascii117o;شخصية لبنانية تشغل منصباً سياسياً، أكدت أن من ذاع خبر مقتل المخطوفين هدفه حرق قلوب الأهالي، وأنهم بخير". وعن المصادر الأخرى التي كانت بحوزة صباغ يقول &laqascii117o;مصدرنا في الفترة الأولى كان أبو إبراهيم، وبعدما انكشفت عدم صحة أخباره، لجأتُ إلى أحد وجوه المعارضة السورية، وهو يعدّ الأكثر عقلانية بينها".
كان لكافة القنوات بعض المصادر المشتركة، كالخاطفين والجهات الرسمية اللبنانية والأهالي. لكن، عمد البعض إلى التسلل وراء الكواليس لالتقاط مصادر خاصة، وإن لم تكن لها أيّ صفة رسمية، بهدف الحصول على &laqascii117o;سكوب". لكن أبو ابراهيم راح يمدّ كل قناة بمواد مختلفة، كالفيديو الذي صوّر المخطوفين وهم يتناولون وجبة السحور في شهر رمضان الفائت، قبل يوم واحد من قصف أعزاز، وعرضته قناة &laqascii117o;الجديد"، ومعلومات خاصة للـ&laqascii117o;أل. بي. سي" وزيارة أولى لـ&laqascii117o;الميادين". وتبيّن بعد ذلك كلّه، أن هذا الأسلوب كان بهدف بناء الثقة مع الإعلام. &laqascii117o;لم يكن ليخطر في بال أحد أن ما سيقوله أبو إبراهيم كذب، وحتى اللحظة، أنا غير نادمة على ما قلته، لأنَّ أحداً لم يكن معي ليرى كيف كان يتعامل معنا، وكيف كانوا يساعدوننا في التواصل مع المخطوفين، وسألت نفسي مراراً حينها، ووفقاً لتحليلاتي، ما مصلحته في أن يعطينا أخباراً كاذبة عن مقتل عدد من المخطوفين ويخسر مصداقيته مع الإعلام؟ في وقت كان يقول إن علاقته معنا مهمة جداً كي ينقل ما يحدث في سوريا"، تقول نوال بري. وتضيف بأنها لم تعتمد في الفترة الأولى على أي مصدر رسمي لأن &laqascii117o;المصادر الرسمية كانت تتأخر في إعطائنا المعلومات". وفي فترات لاحقة، وبعد ظهور عضو هيئة العلماء المسلمين سالم الرافعي في الملف كوسيط، اعتمدته بري كمصدر إضافي لمعلوماتها لأنه &laqascii117o;كان صادقاً" بحسب قولها.
من جهتها، وسّعت مراسلة الـ&laqascii117o;أل. بي. سي" ندى أندراوس شبكة مصادرها بعد زيارتها للمخطوفين في سوريا &laqascii117o;لتشمل جهات عربية وسورية ولبنانية. حتى أننا تعاملنا بشكل مهني بحت مع الخاطفين أثناء تواجدنا هناك". وبعد تضارب المعلومات عن سلامة المخطوفين، اتصلت أندراوس بمصدر سوري من داخل أعزاز وبالنائب عقاب صقر و&laqascii117o;أخبراني أن المخطوفين جميعاً بخير، وهذا ما قلته منذ اللحظة الأولى". أما عن الخبر الذي أعلنته الـ &laqascii117o;أل.بي.سي" عن مقتل الـ11، تعلق &laqascii117o;لم أكن أنا من أذعته، وبكل الأحوال أنا كنت متأكدة أنهم لم يموتوا. كما أنني تمكنت من مقاطعة كل المعلومات لدي مع أكثر من مصدر أمني معني، لأن المصادر الأمنية هي الأدق. وكنا أمام روايات كثيرة ومصادر متشعبة، وفي معظم الأحيان كنا نتريث في بث أي خبر إلى حين التأكد من صحته".
أما قناة &laqascii117o;المنار" التي لاذت بالحياد تقريباً، فلم تذهب لزيارة المخطوفين في سوريا، ولم تتواصل مع الخاطفين أو أي جهة من المعارضة بسبب &laqascii117o;الاصطفاف السياسي في سوريا"، بحسب مراسل &laqascii117o;المنار" عباس فنيش. وتحفّظ فنيش عن ذكر المصدر الأساسي لمعلوماته، إلا أنه أكّد اعتمادهم بشكل رئيسي على مراسل القناة في تركيا حسن طهراوي، الذي &laqascii117o;يملك مفكرة واسعة من العلاقات داخل تركيا على الصعيد الرسمي والخاص. ودائماً كنا ننسب الأخبار غير المتعلقة بقتل أو ما شابه إلى مصادرها، كالوكالات السورية والتركية". يؤكد فنيش أنه &laqascii117o;حتى لو كان خبر مقتل الـ11 مخطوفاً صحيحاً وكنا نملكه، فإننا لن نبثه بالطريقة التي بثته باقي القنوات، كنا سننتظر بياناً من أي جهة رسمية وننسبه إليها".
أمام التفاف كل محطة إعلامية حول مصادرها الخاصة، التي تحمل الكثير من علامات الاستفهام، يبقى سؤال عالق: إذا تعرض المخطوفون لشيء ما في الفترة اللاحقة، التي لا يعرف مدتها أحد، كيف نصدق؟ والسؤال الأكبر أبعد من آنيّة ملف المخطوفين، يتمحور حول جديّة المراسلين في تدقيق معلوماتهم، سواء من حيث مقاطعة المصادر، أو من حيث أخذ مسافة على الأقل من نوايا بعض تلك المصادر، قبل اللهاث خلف السبق.

2012-10-18 11:42:54

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد