تلفزيون » شريط صور للربيع العربي.. المشاهد التي تبقى

88629_430- صحيفة 'السفير'
نور ابو فراج

استأثر مشهد استشهاد الطفل الفلسطيني، محمد الدرة، الذي التقطته عدسة المصور الفلسطيني طلال أبو رحمة في العام 2000، على الذاكرة البصريّة للمشاهد العربي، كإحدى أشد الصور التلفزيونية تأثيراً وألماً. ويمكننا القول إنَّ أيّ صورة إخباريّة لم تترك الأثر ذاته، إلى أن انتشرت لقطات تحطم تمثال صدام حسين، بعد سقوط بغداد، وبعدها صور التعذيب في سجن أبو غريب.. وتلك لقطات استمدت قوتها من بعدها السياسي أو تجميدها للحظة تاريخية تُنبئ بتغير جذري في المنطقة، بالإضافةً إلى امتلاكها عناصر قوة بصرية بذاتها.
ثمّ جاء الربيع العربي ليحمل، من جملة ما حمل، كمَّاً هائلاً من الصور واللقطات التي أغرقت الشاشات العربية والعالمية، مؤذنة بعصرٍ جديد للصور التلفزيونية. استطاعت بعض المشاهد أن تختصر الحالة السياسية أو المعاشية لبلادٍ كاملة بتسجيلٍ من عدة ثوانٍ. فجسد البوعزيزي المحترق، كثَّف حالة الاحتقان التي يعيشها الشارع التونسي. وحظي مشهد الشاب التونسي الذي يصرخ معلناً رحيل بن علي في الشوارع الفارغة بنسبة مشاهدة مرتفعة لدرجة أن العديد من المشاهدين يستعيدون هذه الصورة حتى اليوم، بينما يغيب عن أذهانهم إعلان الخبر بصورة رسمية في نشرات الأخبار.
أما الحديث عن اليمن، فيستدعي إلى الأذهان صورة الأعداد الهائلة من المتظاهرين المنتشرين في الساحات، والتي استمرت وقتاً أطول وتكررت بصورة يومية، حتى ظهرت صور الرئيس اليمني بوجهٍ مشوّه إثر نجاته من محاولة اغتيال. والثورة المصرية بدورها ضمت محطات مهمّة لصورٍ تلفزيونية مؤثرة، كان ميدان التحرير فيها موقع التصوير الأبرز. ويمكن للمرء تذكر مشاهد رشق المتظاهرين والمصلين بالماء في الأيام الأولى من الثورة، أو مشاهد واقعة الجمل، وغيرها من اللقطات التي كان لها أهمية بالغة إذا ما نظر لها ضمن الإطار الزمني الذي بثت فيه حينها، لأن المتظاهرين في ما بعد تعرّضوا لدرجات أعلى من العنف في مصر وخارجها بحيث فقدت تلك المشاهد بعضاً من شحنتها التأثيرية. وهنا يمكن الإشارة لمشهد إعلان تنحّي الرئيس حسني مبارك عن الحكم: فالمشهد، بالرغم من فقره بالمؤثرات البصرية، وضيق كادره الذي صور نائب الرئيس وهو يعلن الخبر مقروءاً من ورقة، وبجانبه يظهر العلم المصري وفي الخلف مدير مكتبه. استأثرت تلك الصورة باهتمام المشاهدين ليتحول الكادر الضيق إلى مساحة رحبة للمهتمين الذين ملأوا مواقع التواصل الاجتماعي بصفحات وتعليقات ساخرة تحلل تعابير وجه 'الراجل اللي ورا عمر سليمان'.
في المقابل، كان مشهد قتل القذافي من أشد مشاهد الثورة الليبية رمزيةً وقسوة، لأنه يسجّل اللحظات الأخيرة من حياة الرئيس الليبي السابق. لكن اللافت في الموضوع، كان الاختفاء السريع لتلك الصور من نشرات الأخبار ــ لقسوتها ربّما ــ بالرغم من أنها تمتلك عناصر قوة ذاتية مستمدّة من الشخصية موضوع الحدث، والدلالات المهمة للمنحى الذي اتخذه العنف والفوضى في ليبيا مقابل صور محاكمة حسني مبارك في مصر مثلاً.
أما في سوريا فإنّ أرشيف الصور الضخم بما يحويه من آلاف المشاهد واللقطات لا يقل تشوشاً وضبابية عن الواقع السياسي والميداني الذي تعيشه البلاد، فالنظام السوري، ومع منعه دخول وسائل الإعلام لتغطي بصورةٍ رسمية ما يجري على الأرض، فتح المجال لتدفق كم هائل من الصور المشوشة تقنياً وسياسياً.
فالسوريون الذين لم يحظوا حتى هذه اللحظة بنهاية سياسية تتحول مشهداً على شاشة التلفزيون، يظهرون في نشرات الأخبار في صور مهزوزة التقطتها كاميرات الموبايل المنخفضة الدقة، أو ملتقطة بصورة خفية من وراء أحد الشبابيك والمنازل. وبالرغم من أن دراسة صورة السوريين في نشرات الأخبار تشكل موضوعاً قيماً لدراسات أكاديمية معمقة، إلا أنه يمكن استشفاف بعض الملاحظات التي لا تخفى عن أي متابع لنشرات الأخبار بطرح سؤال: كيف يبدو السوريون اليوم؟
السوري المقتول أولاً! تمتلئ نشرات الأخبار بالدرجة الأولى بصور الشهداء والجرحى، وكثيراً ما توافق توقيت عرض بعض الصور لضحايا من الأطفال تحديداً (مثل صور الطفل حمزة الخطيب، أو أطفال مجزرة الحولة) مع تصعيد سياسي مهم، مثل عقد جلسات لمجلس الأمن أو أي مبادرات أو مؤتمرات سياسية أخرى. لتليها بعد ذلك صور الدمار الذي لحق بالمدن السورية والتي تختلف دلالات توظيفها إعلامياً تحت عنوان 'تحرير' أو 'تطهير'. ومؤخراً أخذت عمليات الجيش الحر ومعاركه تحظى بتغطية أكثر كثافة، وهو الأمر الذي يجعل من المشاهدين في الخارج يظنون بأن لا أحياء أو ناجين في البلاد، وأن سوريا بكاملها تعيش معركة مستمرة، وهي صورة مضخمة بالرغم من صحتها، في مقابل سياسة التلفزيون السوري الذي التزم وقتاً طويلاً بعرض صور الحياة المستقرة والحركة الطبيعية.. أو الذهاب إلى الأقصى في عرض الصور العنيفة مثل تقرير محطة 'الدنيا' حول مجزرة داريا الذي لاقى استنكاراً شديداً من أطياف عديدة في سوريا.
وفي السياق ذاته استطاعت الكاميرات التقاط بعض المشاهد المهمة التي حظيت باهتمام خاص ضمن هذا الكم الضخم من الصور التي تبثّ كل اليوم، إلا أن تلك اللقطات لم تعد ملكاً لأصحابها، بل ارتبطت تماماً بالقنوات الفضائية التي بثتها أو حوّلتها إلى مقاطع إعلانية قصيرة، أو مقدمات لنشرات الأخبار، مثل المقطع الذي يصور مواطناً من محافظة إدلب، وهو يصرخ بعبارة تحولت في ما بعد إلى إحدى مقولات الثورة السورية 'أنا إنسان ماني حيوان'، والذي عاد إلى الظهور مؤخراً في مقطعٍ مسجل جديد بوصفه قائد كتيبة في الجيش الحر في ريف إدلب. يترك التسجيلان مشاعر متناقضة ومتباينة لدى المُشاهد. وهو الأمر الذي يحمل في طياته مفارقة مؤلمة لأن تلك المَشاهد لا تنتهي ببثها ولا تبقى مجرد صورٍ، بل تتحول إلى ما يشبه المسلسل المستمر، الذي يعاود أبطاله الظهور في حلقات جديدة ضمن كادر رمادي مشوش كحال البلاد ذاتها.

2012-12-13 03:41:25

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد