تلفزيون » الفضائيات الدينيّة.. معركة من قرون غابرة

- صحيفة 'السفير'
حسن نصّور

تحرص الفضائيات الدينية الصرف ذات اللون المذهبي الواحد، على إعادة تأطير الجمـهور المتحزّب سلفاً مذهبياً ضمن الكليشيهات التاريخية والتعبّدية الانقسامية ذاتها. تواريخ وأحداث وحروب تتوالد بكل أشكالها على الشاشات وتقدَّم الى جمهور مستعد أصلاً لتلقيها بنفسيّة معبأة. على سبيل مثال، تبث فضائية &laqascii117o;الأنوار" (الكويتية) ومثيلاتها باستمرار وبدوام شبه كامل، مجالس تقرأ فيها السيرة الحسينية التقليدية. وهي تكاد لا تخلو من دعوات حادة وحامية يتوجه بها القارئ للثأر والتهيؤ والتعبئة ضـد &laqascii117o;عدوّ" مفـترض منذ مئات السنين لا يشار إليه مباشرة بالاسم. فيما تـصر فضائية &laqascii117o;الكوثر" من خلال برنامج جداليّ يقدمه الشيخ كمال الحيدريّ على إظهـار الأخـطاء التي أخذت مداها جدالاً على مر مئات السنين، في آراء بعض كبار مؤلفي الكتب الدينية الكلاسيكية سجالاً، من وجهة نظر مذهبية وعلى الهواء مباشرة! هذا فضلاً عن فضائيات ظهرت بسرعة قياسية مباشرة بعد غزو العراق (&laqascii117o;الغدير"، &laqascii117o;أهل البيت"، &laqascii117o;كربلاء"..) وهي فضائيات طائفية مموّلة في أغلبها من دوائر دينية وشخصيات على ارتباط بأحزاب الإسلام السياسي الشيعي في العراق. في المقابل، تظهر فضائيات مثل &laqascii117o;الوصال" و&laqascii117o;الصفا" اللتين تبثان من السعودية، وفضائيات مصرية سلفية وإخوانية انفلشـت مبـاشرة بعد الثورة، تعيد السجال إلى نقطة الصفر، إلى عمق الفتنة التاريخية، بوهم الرد على غزو فضائيات &laqascii117o;الفريق الآخر"، وغالباً ما يكون الردّ باستيلاد أدبيات الماضي. وكأنّنا بتنا نشاهد أعلام التراث الكلاسيكي ورجالَه وكتبه تتناطح وتتصارع سطحياً، ومن دون مبررات معرفية معاصرة.
من جهتها، تلجأ الفضائيات السياسـية إلى تقديم برامج دينيّة، للتأكيد على الهـوية الدينية المذهبية مباشرة أو بالتورية للاتجاه السـياسي الذي تدور في فلكه المحطة. وأحياناً تغـوص تلك البرامـج مـباشـرةً في إعطاء الشرعية والتبريرات الدينية للجهة السياسية التي تدعمها المحطة في هذا الـبلد أو ذاك. ظهر ذلك على شاشة &laqascii117o;الجزيرة" في برنامج &laqascii117o;فقه الحياة" مع الشيخ يوسف القرضاوي. وهو برنامج يناقش الشؤون الدينية من منظور الإسلام الكلاسيكي، بكل جوانب الحياة، ويتسلل مباشرة، في الحرب الدائرة في سوريا أو في مسائل الثورات العربية، نحو إمكانية إضفاء الشرعية الدينية على هذا الحاكم أو تلك الثورة. حتى أنّ هناك قنوات، ليست دينية أو سياسية، تخصص، لدوافع سياسية، بعض برامجها لشؤون الدين والسياسية. كـ&laqascii117o;روتانا خليجية" التي تستضيف من وقت لآخر الداعية عدنان العرعور المشهور بخطابه المذهبي التحريضي.
ترى ما هو المغزى من تلك البرامج والخطب المذهبية العصبية؟ قد تفيد نظرة سريعة على مصادر تمويل تلك الفضائيات، لنفهم أنّها منخرطة عضوياً في صراعات المنطقة. كما يمكن أن نفهم سبباً مهماً من أسباب عجز القوانين المحلية في الدول المتنوعة طائفياً ومذهبياً عن قوننة أو منع بثّ تلك الفضائيات المحرّضة.
يسجل لفضائية &laqascii117o;الميادين" إصرارها وسط هذا الحريق على استيعاب الجميع ضمن حواريات هادئة تقدم الهمّ الوحدويّ على الأوهام المذهبية. يدخل في هذا الإطار برنامج &laqascii117o;أ ل م&laqascii117o; الذي يقدّمه الدكتور يحيى أبو زكريا. ويستضـيف في الغـالب رجال دين من مختلف الشرائح الدينية ويتجنب الخوض في مساحات الخلاف المذهبـية المغلقـة والموروثة. ويسعى في الوقت نفسه للاشارة إلى مساقط الآراء الدينية التي تبرّر الانكفاء في مواجهة قضايا لطالما اعتبرت أساسية في الوعي الوطني والعربي، كالصراع مع العدو الإسرائيلي مثالاً لا حصراً. ولكن يجب على البرنامج توسيع دائرة النقاش الهادئ، على أسس حداثية لا تنتـهك أصالة التراث وتوسّع دائرة المشاركة لتستوعب آراء أكادمية ودينية مغايرة من خارج الفهم الكلاسيكي للنصوص الإسلامية المؤسِّسة.

2013-02-08 02:59:20

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد