- صحيفة 'الحياة'
طرابلس - ريم البركي
عندما تسمع الليبيين يترحمون على أيام &laqascii117o;الأبيض والأسود" تدرك سريعاً حال القنوات الفضائية الأربعين التي &laqascii117o;نبتت" عشوائياً في زمن &laqascii117o;الربيع الليبي". قنوات تستنبط مسميات من شعارات مرحلة يفترض أنها انتقالية: &laqascii117o;الحرية" و&laqascii117o;الأحرار"... أو تسميات من مناطق، في محاولة للعزف على أوتار جهوية، سرعان ما يتجاوزها المشاهد ليركن إلى متابعة رصينة في قنوات الجيران &laqascii117o;المصاروة" و&laqascii117o;التوانسة" وسواهما، ويتحسر على بلد يصدّر 1.6 مليون برميل نفط يومياً، ولا يستطيع إنتاج فضائية واحدة تشفي الغليل!
بعضهم يصف هذه القنوات بأنها &laqascii117o;دكاكين سياسية" هدفها الترويج لأصحاب المصالح الذين لا يتوانون عن استخدام الشاشة وسيلة للضغط، &laqascii117o;الأمر الذي لم ينج منه حتى المؤتمر الوطني العام" (البرلمان)، كما يقول عضو المؤتمر عن مدينة بنغازي إبراهيم صهد. ويضيف لـ &laqascii117o;الحياة"، أن &laqascii117o;القنوات التي يدعمها المال السياسي تشنّ حرباً على السلطة، حتى أنها تتعمد تجاهل إنجازات المؤتمر إلى أن أصبح مهملاً"، وباتت هناك هوة بينه وبين الرأي العام.
وبمعنى آخر، فإن ليبيا التي عرفت طيلة 42 سنة من العهد السابق بوقاً واحداً للسلطة هو &laqascii117o;الإعلام الجماهيري" تحولت اليوم إلى ساحة منافسة لأبواق تلفزيونية، ابتعدت في معظمها عن البرامج الأسرية التقليدية والمسلسلات والأغاني، حتى أنها تناست الأطفال ولم تخصهم ولو بساعة واحدة من أفلام الكرتون.
قنوات تعج بالساسة الليبيين وأتبعاهم وسط غياب للتحقيقات التي تمسّ يوميات المواطن، واكتظاظ للقاءات مع صناع القرار الذين دخلوا في حلقات مفرغة لا متناهية. ويعمد &laqascii117o;الليبرالي" في محطته إلى نصب مقصلة للإسلامي، والعكس، إلى درجة أصبحت تلك المحطات الممولة أحياناً من منظمات دولية، سيفاً مسلطاً على رقاب المشاهدين.
وما يزيد الأمر تعقيداً في المشهد الليبي، هو ظهور ما بات يعرف اليوم بـ &laqascii117o;إعلاميي الثورة"، وهم شبان ساهموا في تأسيس قنوات إعلامية ووجدوا أنفسهم في حيرة من أمرهم بعدما حددت سياسات القنوات وقسمت بين &laqascii117o;إسلامي" و"علماني" و&laqascii117o;فيديرالي" و&laqascii117o;مركزي". وفي وقت كان الإعلاميون الشباب يسعون إلى تظهير صورة شبابية، سيطرت رؤوس الأموال على القنوات وبات الإعلاميون الجدد بين مطرقة تحقيق الأحلام وسندان &laqascii117o;الأدلجة"، الأمر الذي ساهم فيه في شكل كبير، انعدام ثقافة التعددية في ليبيا وقلة الخبرة في هذا المجال.
ولزيادة المشهد قتامة، عمدت السلطات الجديدة إلى استحداث وزارة للإعلام يفترض بها المساعدة في ضبط الإيقاع الإعلامي المنفلت في ليبيا والمساهمة في تعزيز ثقة المواطن في إعلامه، لكنّ هذه الخطوة تحولت في نظر نشطاء الحراك المديني إلى محاولة رسمية لاستعادة سياسة &laqascii117o;مقص الرقيب"، فيما يرفض الناشطون الوصاية على الإعلام وعلى المواطن. ويراهن المناهضون لمبدأ الوصاية الرسمية على وعي المواطن وثقافته وقدرته على تحجيم دور الإعلام المؤدلج.
في المقابل، يرى الإعلامي عريش السعيد أن الإعلام الليبي عموماً يشهد تطوراً ملحوظاً بعد أربعين سنة، وينوه في حديث إلى &laqascii117o;الحياة" بما نشرته &laqascii117o;مراسلون بلا حدود" في تقريرها عن تقدم ليبيا 23 درجة في وقت تراجعت دول الجوار من &laqascii117o;الربيع العربي" مثل تونس أربع درجات. لكنه يرى أن القرار الأخير للمؤتمر الوطني بإنشاء وزارة للإعلام يزيد من المخاوف حول مستقبل الإعلام، ويعتبر أن ذلك قد يحشر الإعلاميين في زاوية ضيقة ويصعّب خيارهم بين أن &laqascii117o;يسبّحوا بحمد الحكومة" أو أن يكونوا &laqascii117o;لقمة سائغة" للجهات المموّلة، من سفارات واستخبارات خارجية أو أصحاب الأجندات الحزبية الضيقة التي لا تخدم الوطن.
ويبدي سعيد تفهمه لمخاوف أعضاء المؤتمر الوطني من فوضى الإعلام التي تشبه إلى حد كبير فوضى انتشار السلاح، لكنه يرى الحل في استحداث &laqascii117o;جسم" يحتوي الإعلام وينظمه ويتبع لأداة التشريع ويضمن التمويل حتى يتوافر نوع من الاستقلالية والحياد للوسائل الإعلامية لتقوم بدورها كـ &laqascii117o;سلطة رابعة".
الإعلامي الليبي خالد المهير يرى أن القنوات تعاني إشكالية فنية والضياع في الخطاب الإعلامي. ويوضح لـ &laqascii117o;الحياة" أن بعض القنوات محسوبة على توجهات سياسية، فيما تفتقر الساحة إلى شاشة محايدة، لكنه يرفض مقارنة الوضع بما كان عليه أيام إعلام القذافي الذي كان يقدم صورة واحدة ورأياً أوحد.
ويرى المهير أن أمام القنوات الجديدة تحدياً كبيراً يتمثل بكيفية جذب الجمهور الليبي، ويشير إلى أنها لم تتمكن من ذلك حتى الآن. ويعتبر أنه على رغم كل المصاعب التي ذكرت من نقص الخبرات والكوادر، فإن تواجد هذه القنوات فتح المجال للمنافسة على المشاهد.
كثر يرون أن الإعلام الليبي يسير على غرار النموذج العراقي بعد سقوط بغداد إلا أن الاعتراف بهذا الأمر مستحيل على المستوى الرسمي.
فالقنوات التلفزيونية باتت تغزو المشاهدين، علماً أن الغالبية لا ترى فيها الوسيلة الأفضل لتقصي الأخبار. ويعتبر المهير أن هذه القنوات تخلت عن دورها المفترض كأداة تثقيفية تعتمد عليها الأسرة، وباتت وسائل إعلان للأحزاب، تدفع بأفكارها وتسوّق لرجالها، ما ساهم في تعميق هوة بين الشارع والإعلام.
2013-02-28 02:32:59