- صحيفة 'السفير'
سناء الخوري
جلد الذات هو من دون شكّ، هواية من غامر بمتابعة الشاشة اللبنانيّة خلال الساعات الـ24 الماضية. مازوشيّة. بين إطلالات وزير الداخليّة مروان شربل، وصور مدخل مستشفى المقاصد وروّاده، كان يمكن للمشاهد أن يتخيّل نفسه نور الشريف بدور ابراهيم، في أحد أشهر مشاهد فيلم &laqascii117o;أيام الغضب" (1989). وفي ذلك المشهد، يجلس ابراهيم بضحكة بلهاء وسط غرفة في مستشفى الأمراض العقليّة، في حين يرقص ويقفز زملاؤه المرضى من حوله، وفي مقدّمتهم الممثل الكوميدي الراحل نجاح الموجي، وهو يغنّي &laqascii117o;الداخل عندنا مفقود، والخارج من هنا مولود".
كان كلّ واحد منّا هو ابراهيم، وسط حلقة جنون الشاشة خلال الساعات الماضية. هنا، صبيّة تطلّ من &laqascii117o;البيال" في احتفال 14 آذار جازمةً أنّها هي المسيحيّة، كانت قبل &laqascii117o;ثورة الأرز" تتخيّل أنّ &laqascii117o;الدروز لونهم أخضر" (!). في حين آثر زميلها على الإشادة بدور &laqascii117o;الفكر النكديّ" (النقدي) اللبناني الذي ساعد على إشعال فتيل الثورات في العالم العربي (هل سمع بمحمد البوعزيزي؟). وما كادت أكاديميّة &laqascii117o;البيال" تسدل الستار عن حفلتها، حتّى بدأت حفلة الأخبار العاجلة على الشاشة، إثر الاعتداء على الشيخين مازن حريري واحمد فخران: &laqascii117o;ضرب"، &laqascii117o;دار الفتوى"، &laqascii117o;حلق ذقون"، &laqascii117o;فتنة"، &laqascii117o;حشاشين"، &laqascii117o;فتنة"، &laqascii117o;قطع الطريق"، &laqascii117o;العواقب"، &laqascii117o;الأسير"، &laqascii117o;لبنان سيحترق"...
كانت الكاميرات تتصارع على فتح الهواء لبثّ آخر أخبار الـ &laqascii117o;فتنة"... ودخلت الشاشات في دوّامة &laqascii117o;الاندهاش المبالغ به" كعادتها (اندهشوا، فالبلد على حافة الحرب، إن كنتم لا تعلمون). وانهمرت صور قطع الطرقات، كأنّها المرّة الأولى! وها هي الكاميرات تدخل في سباق محموم على صور الجريحين. وكلّ هذا لإثبات ماذا؟ السرعة في نقل الخبر؟ الجرأة؟ المهنيّة؟ أبحجّة الجرأة مثلاً تخبرنا مراسلة &laqascii117o;الجديد" نوال برّي بالتفصيل الممل، طبيعة الإشكال المذهبي في خندق الغميق، وطريقة قطع الطرقات في قصقص، ومن أيّ عائلة ابن فلان الفلاني؟ أبحجّة الدقّة مثلاً؟ أبحجّة المهنيّة تفتح &laqascii117o;أل بي سي" و&laqascii117o;أم تي في" الهواء من أمام مستشفى المقاصد، حيث تجمهر بعض الغاضبين؟ أبحجّة المسؤولية يحشر &laqascii117o;المستقبل" الميكروفون في فم أحد الشيخين الجريحين، ليسأله تفاصيل الحادث، والرجل بالكاد قادر على الكلام؟
لا يتحمّل الإعلام مسؤولية الانفجار المذهبي. ولكن، من البديهي أن يدرك صانعو الصورة، أنّ كلّ ما هو &laqascii117o;عاجل"، يضع الناس في حالة توتّر، وتأهّب. من البديهي أن يدركوا أنّ صور الشيخين المضروبين، ليست مواد صالحة للعرض... ليس بدافع التستير أو الكذب أو تزوير الواقع، بل احتراماً لخصوصيّتهما أولاً، وتفادياً لاستفزاز شريحة مذهبيّة واسعة. ثمّ ما طبيعة المعلومة المرغوب نقلها من تصوير مدخل مستشفى المقاصد لأكثر من نصف ساعة؟ رصد غضب الأهالي لحظة بلحظة؟
أحد المواطنين اتصل بشاشة محليّة مساء أمس الأول، بعد وقت قصير على وقوع الحادث، طالباً منها التحلّي ببعض المسؤولية، وعدم نقل كلّ الصور مباشرةً على الهواء، للمساهمة في تخفيف التجييش المذهبي. جاءه الردّ: &laqascii117o;نحن ننقل ما يحصل، ومن واجبنا نقله كما هو". سأل المواطن: &laqascii117o;نعم، لكن يمكنكم نقل الخبر من دون صور ربما تساهم في صبّ النار على زيت التحريض". فجاءه الردّ: &laqascii117o;لكنّ الشاشات المنافسة تنقل الصور، ولا يمكننا أن نتخلّف عنها". إنّها حجة السباق إذاً؟
[ [ [
الأخطاء &laqascii117o;البديهيّة"، هي ما نسمّيه رداءة. والرداءة ناتجة عن الكسل. والكسل نابع من مفاهيم عامّة، تنعكس على قناعة الإعلام اللبناني التقليدي، بأنّ له دوراً تلقينياً وعظياً، وأنّ المشاهدين، قطعان مساقة من دون أيّ حسّ نقدي، أو أنّهم أغبياء، أو غير متطلّبين كفاية، ليحصلوا على مادّة خبريّة نظيفة.
ولكن ما الحاجة إلى &laqascii117o;التنظير"؟ فإعلامنا الأغرّ، مهني جداً، مسؤول، عنده مقوّمات عالميّة، لا يخطئ... أمّا صولات وجولات الكاميرا في ميادين البثّ المباشر بين قصقص والمقاصد وطريق الجديدة، فـ&laqascii117o;بتبيّض الوجّ" و&laqascii117o;بتمجّد الخالق"، حقيقةً. كما أنّ المتفرّج جالسٌ في بيته ينعم &laqascii117o;بالراحة والسلام والأمان" (حقاً؟!!) فكيف يتجرأ على انتقاد ضحالة الشاشات؟ يجب أن يشكر ربّه ألف مرّة، أساساً، لأنّه يعيش في بلد، إعلامه حرّ، وألا يتكبّر على هذه النعمة... نعمة الإعلام الحرّ في نقل الواقع بالتفصيل المملّ.
2013-03-19 02:59:50