- صحيفة 'الحياة'
أمستردام – محمد موسى
ظلت كوابيس حروب لبنان ثلاثين سنة تطارد الجندي الهولندي يوجين ساندل الذي شارك في قوات حفظ السلام الدولية (يونيفيل) في لبنان عام 1982، وكادت التجربة تقضي على زواجه، وطبعت علاقته مع ابنتيه بالقلق، وقادته في أحيان كثيرة إلى الانهيار العصبي.
يوجين ساندل عاد إلى لبنان في زيارة أعدّ ترتيباتها البرنامج التلفزيوني الهولندي الجديد &laqascii117o;حرب في رأسي" لمواجهة &laqascii117o;أشباح الماضي".
توجه إلى قرية صفد البطيخ في جنوب لبنان، حيث خدم في قوات حفظ السلام، وتذكر أيام كانت الطلقات تكاد تلامس أذنيه من قربها، كما قال، وأيام كان لبنانيون غاضبون يجبرون اليونيفيل أحياناً وبتهديد السلاح على الركوع على الأرض لاسترجاع أسلحة لهم كانت &laqascii117o;اليونيفيل" صادرتها في أوقات سابقة.
تجربة لارس ماير، الجندي الهولندي الذي خدم في قوات حفظ السلام في البوسنة، والتي قُدمت في الحلقة الثانية، بدت أكثر إيلاماً، فهو كان يسمع صراخ المسلمين المدنيين البوسنيين وهم يساقون إلى حتفهم على أيدي الصرب، من دون أن يقدر لارس ورفاقه على فعل شيء، فالأوامر كانت واضحة، بعدم التدخل والمراقبة فقط.
لارس ماير سيعاني بشدة بعد عودته، سيطرد من كل الوظائف التي عمل بها بعد تركه الخدمة العسكرية، وسيعيش سنة متشرداً من دون مأوى، وكاد في ليلة ماطرة وعندما غلبه السكر أن يشنق نفسه على الشجرة التي كان يحتمي تحتها.
ارتأى البرنامج الذي يعرض الآن على شاشة القناة الثالثة الهولندية، أن جزءاً من حل مشكلة الجنود، أبطال الحلقات الست منه، هو بإرسالهم مجدداً إلى الأمكنة التي بدأت أزماتهم منها، وكأن هذه العودة، وهي الأولى لهم منذ تركهم الخدمة هناك، ستزيل بعضاً من تلك الذكريات السيئة، كما يمكن لهذه العودة إلى الأمكنة التي تحظى اليوم بسلام نسبي وعادت إليها الحياة الطبيعية، أن تمنح الجنود شعوراً بالرضا، وبأن تجاربهم هناك وعذاباتهم، لم تذهب هباءً.
يذهب البرنامج خطوة أبعد في رغبته أن يواجه هؤلاء الجنود لأنفسهم، وعدم الهروب من تجارب الحروب، فيعرض البرنامج الأفلام التي سجلت عودتهم إلى مواقع المعارك، ويشاهدها الجنود السابقون أنفسهم مع عائلاتهم، مسجلاً ردود فعل هؤلاء على ما يشاهدونه، والتي غلبت عليها العاطفة. فالقاسم المشترك لشهادات عائلات الجنود، بأنهم لم يطلعوا بالكامل على تجارب أبنائهم أو أزواجهم، لأن هؤلاء أحاطوها، كوسيلة للهرب من قسوتها، بالكتمان.
تُحقق العودة بعض المكاسب الفورية للجنود الهولنديين السابقين، والذين كشفوا عن رضاهم عن التجربة، فيوجين ساندل، يعود إلى الجسر الذي قتل قربه ثلاثة من الجنود الإرلنديين في عام 1982 في جنوب لبنان، والتي كانت واحدة من أولى وأقسى التجارب التي عاشها في خدمته. كما يتحدث لارس ماير إلى المرأة البوسنية التي أنقذت رفيقاً له كاد يقضى عليه وحيداً وبعد إصابته بطلق ناري في برج مراقبة، لولا السيدة العجوز تلك، التي خاطرت بحياتها للذهاب إلى مركز وحدة قوات حفظ السلام لإعلامهم بخبر إصابة الجندي، مجازفة بأن ينكشف أمرها للقوات الصربية، والتي كانت تمنع التواصل مع جنود حفظ السلام.
لم يقدم البرنامج تجارب جنود هولنديين من حربي العراق وأفغانستان، والأخيرة كانت قاسية كثيراً على الجنود الهولنديين وقتلت عدداً منهم، إذ عادت الحلقات الست من البرنامج لحروب العقود الثلاثة الأخيرة. ربما يعدّ لحلقات جديدة من البرنامج، وربما الوقت لم يحن بعد لفتح جروح حروب العقد الأخير، أو إن جنود حرب العراق وأفغانستان غير جاهزين للحديث عن تجاربهم، وهم يتمرغون الآن وحيدين في كوابيسها وذكرياتها. البرنامج يُثير أيضاً أسئلة عما آلت إليه حال أهل الضحايا المدنيين في لبنان والبوسنة وكمبوديا، وكيف يعيش من شهدوا أهوال تلك الحروب، ومن يكفكف دموعهم، وهل يملكون الحظ نفسه، باهتمام الدولة ومؤسساتها بهم، كحال الجنود الهولنديين؟
2013-06-07 08:34:47