- صحيفة 'الحياة'
قيس قاسم
البرنامج التلفزيوني الأميركي الخاص بالانفجار السكاني في العالم وعلاقته بمشكلات البيئة وصحة الإنسان، بدأ من الشارع وبالناس أنفسهم حين توجه إليهم بسؤال عن المسبب الأكبر، في رأيهم، عن التَغيُرات المناخية التي يعيشها كوكبنا؟ فتركز معظم الأجوبة على حجم الغازات المنبعثة من احتراق وقود السيارات المتزايد، وكثرة النفايات وزيادة استهلاك اللحوم، ولم يشر إلا عدد قليل منهم إلى مشكلة التضخم السكاني وزيادة عدد سكان الأرض خلال العقود الأربعة الأخيرة إلى الضعف ما يمثل تهديداً لمستوى حياة الإنسان في كل مكان.
وأعطت الأجوبة في الوقت نفسه مؤشراً إلى رغبة غير معلنة عند البشر لتجنب الخوض في تفاصيل المشكلة، بل حتى الاعتراف بوجودها، لأسباب أخلاقية واجتماعية لقوة ارتباطها المباشر بالموقف من عملية إنجاب الأطفال ومفهوم العائلة ومسؤولية المجتمعات البشرية في التقليل منها. ومع هذا دقّ البرنامج ناقوس الخطر في شكل حاسم.
مشكلة كونية
لعالم الاجتماع باول أرليتش الفضل في تنبيه العالم إلى مشكلة زيادة عدد سكان الأرض، في وقت مبكر نسبياً، حين نشر كتابه &laqascii117o;القنبلة السكانية" في مطلع الستينات وربط فيه بين الأخطار التي تحدق بالبيئة والانفجار السكاني الذي لم يعره العالم اهتماماً كافياً. ولكن، بعد سنوات سينتبه كثيرون إلى كتابه وسيتحركون على مستوى أوسع للفت أنظار العالم إلى خطورة المشكلة فتنبثق إثرها حركات شعبية من بينها &laqascii117o;زيرو بوليوشن غروث" التي نجحت في في حشد مؤيدين كثر لإعلان &laqascii117o;يوم الأرض" يوماً عالمياً عام 1970. تلك المراجعة التاريخية التي تضمنها البرنامج التلفزيوني &laqascii117o;كابوس التضخم السكاني" تقدم صورة عن الحراك الذي بدأ منذ نصف قرن وحاول المتفهمون خطرَها عرضها بصفتها واحدة من أكثر مشاكل عصرنا تعقيداً. فالتضخم السكاني له علاقة مباشرة بالاستهلاك البشري للغذاء، وهذا له علاقة بمساحات الأرض الصالحة للزراعة وكمية المياه المستخدمة في الري وله صلة لا تنفصل بالقوة المنتجة وتزايد عدد المستهلكين منهم للبضائع بكميات تفوق قدرة كوكب الأرض على تلبيتها، فبينما تزداد الرغبة في الاستهلاك تبقى مصادر الطبيعة ثابتة. وهذه معادلة تهدد الأرض بالمقام الأول وتبشر بظهور خطر حقيقي يحيط بسكانها أنفسهم مع بروز مشاكل سياسية واضطرابات نتيجة لزيادة معدلات الفقر الناتج من الاختلال الحاصل بين عدد الأفواه وكمية ما هو موجود في صحن الطعام!
مسعى مشترك
في المقابلة التي أجراها البرنامج مع أستاذة علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا مارتا كامبل نبهت إلى وجود &laqascii117o;تابو" من مناقشة عدد الأطفال في العائلة الأميركية، وأوضحت أن غالبية الناس تفضل عدداً أكبر منهم في البيت، في الوقت الذي برهنت الدراسات العلمية أن وجود طفلين لكل زوجين من شأنه تقليص حجم المشكلة إلى النصف مع احتمال بقاء الزيادة المتوقعة في السنة المقبلة مرتفعة عموماً وقد يتجاوز عندها عدد سكان الأرض الرقم 8 مليارات. هذه الدعوة لا تلقى استجابة كبيرة بين الأمم ويظهر الانقسام حولها واضحاً. فسكان الجزء الغني من الكوكب يتحدثون عن تضخم عدد سكان الأرض بصفته مشكلة تخص العالم الثالث، أي العالم الفقير فقط، في حين أن المشكلة أبعد من ذلك بكثير، وتخصّ الجميع.
ويكفي الإشارة كما قالت الأستاذة الجامعية إلى أن تطبيق النموذج الأميركي الاستهلاكي في العيش على بقية العالم سيحتاج منا إلى توفير ست كواكب أرضية آخرى، وأن مصالح رأس المال بدورها تشجع على الزيادة لا العكس ويكفي تذكير العالم بأن شركات البناء العملاقة ليست من مصلحتها تقليص عدد زبائنها بل هي تسعى إلى ترحيل ما ينتج من متلازماتها، مثل: الحاجة إلى بناء مزيد من المدارس وتوفير عدد أكبر من رجال الشرطة وعمال الخدمات وغيرها، مشاكل ترحل على الدولة لحلها فتضطر الأخيرة إلى تقليص خدماتها الاجتماعية فيزداد الفقر، المرتبط بدوره بالبطالة وزيادة عدد السكان، والأمر يظهر في شكل مختلف في بلدان أخرى ولكن جوهره ثابت وهذا ما ظهر جلياً خلال زيارة البرنامج دولاً أفريقية كثيرة من بينها إثيوبيا التي تعاني من فقر شديد وزيادة في عدد السكان.
ومن هذه الدول إثيوبيا التي تعاني من مشكلات اجتماعية واقتصادية تنموية ومن زيادة سكانية سريعة لا تتناسب مع الواقع الذي شخصه نيجوشي تيفرا من &laqascii117o;المركز الإعلامي للإسكان" فقلة العمل كما يقول للبرنامج يقابله إقبال على الإنجاب، الذي تضاعف خلال السنوات الأخيرة، لأسباب كثيرة منها قلة وعي المرأة وعدم مشاركتها الرجل في التخطيط لحياة أسرية منظمة ولهذا تزداد الحاجة إلى تعليمها وإلى استخدامها الصحيح لموانع الحمل باعتبارها وسيلة لتنظيم للأسرة وليس للهروب من مسؤوليتها كأم، ويلعب الراديو، في ظل ارتفاع نسبة الأمية، دوراً مهماً في توعية المرأة بدورها كعنصر محوري في التلقيل من مشكلة زيادة الإنجاب عبر مشاركتها في العمل والتحصيل الدراسي الذي يعد نقطة ارتكاز في حل الكثير من مشاكل القارة الفقيرة، بخاصة مشكلة زيادة عدد سكانها الذي يعد سبباً للفقر فيها كما هو في بقية أرجاء كوكبنا المهدد بدوره بانفجار سكاني محتمل!
2013-07-08 02:48:54