- صحيفة 'السفير'
ليال حداد
من على سطح أحد المباني في الاتحادية شاهدنا كل شيء... نحن عشرات الصحافيين والمراسلين الذين واكبوا ثورة 30 يونيو عن أسطح المباني. يتوافد المتظاهرون: مئات، آلاف، مئات الآلاف، ملايين. شاهدنا ملايين المصريين يهتفون لحريتهم بصوت واحد. بعدسة الكاميرا يبدو كل شيء أوضح. تظهر التفاصيل الصغيرة التي صنعت جمال تلك الثورة. نريد التقاط كل شيء. الهتافات، الشعارات، اللافتات، الأغاني، والصور، الرّعب الذي يرافق النساء وهنّ مصرّات على الدخول إلى قلب التجمّع، السلاسل البشرية التي صنعها شباب الثورة رافعين لافتة &laqascii117o;ممنوع دخول المتحرّشين". في الاتحادية شاهدنا نحن المراسلين والصحافيين كيف صنعت الثـــورة، وكيـف انتصرت.
نشوة اللحظة
على الأرض يتبدّد الخوف. نسمع أخباراً من الزملاء عن احتمال هجوم من قبل مناصري &laqascii117o;الإخوان المسلمين" على ميدان الاتحادية. نسمع قصصاً عن قطع طرقات، ومحاصرة ثوار. لكنّ اللحظة، تلك اللحظة التي تشعر فيها أنّك جزء أساسي من كل ما يدور يبدّد كل مشاعر الخوف. في تلك اللحظة، لا نعود مراسلين لبنانيين أو سوريين أو كويتيين أو فلسطينيين. في تلك اللحظة، لا تعود العين التي تراقب الحدث عيناً أجنبية. كلنا مصريون كنا نقول على السطح. بيان الفريق الأول عبد الفتاح السيسي يشعل الميدان، يشعل كل الميادين، ما الذي سيحصل؟ كان الأمر محسوماً في الأول من تموز (يوليو). الرئيس مرسي سيُعزل.. هكذا كنا نردد على السطح.
موضوعية الميدان
كيف تنقل الخبر؟ كيف ننقل كل الصورة بكل ميادينها؟ كيف نساوي بين الثوار في التحرير والاتحادية، وبين معتصمي رابعة العدوية؟ كيف نخفي حماستنا لثورة انتظرناها عاماً كاملاً، لتخبرنا أن مصر لا تزال بخير؟ مصطفى يحاول في رسالته إعطاء كل وجهات النظر، لكن الابتسامة لا تختفي عن وجهه. دايفيد لا يفهم لماذا يجب أن يخفي المراسل حماسته، وتأييده لمطلب ثلاثين مليون مصري بالحرية؟ أسامة منهمك في تحضير رسالته المباشرة، محاولاً، هو أيضاً، الابتعاد قدر الإمكان عن الانحياز للشارع الذي كنا نراقبه من فوق.. من على السطح ذاته. وأنا أبتسم وأخفي الابتسامة، أرفع الكارت الأحمر لمرسي مباشرة على الهواء... على وقع هتافات الشارع وحماسته... فقدنا ما يفترض أن يكون موضوعيتنا.. هكذا قلنا.
ليلة السقوط
ساعة، ساعتان، ثلاث، أربع، لم يطلّ السيسي بعد.. الرسالة المباشرة الأولى ننقل فيها نبض الشارع. يطلّ وزير الدفاع ليعلن المعلوم: محمد مرسي أصبح رئيساً معزولاً. لا مكان للتوازن ولا للموضوعية... السطح مجدداً. نصرخ هناك، نرقص ونرفع رايات النصر لكل هؤلاء المتجمهرين تحت. ساعة كاملة على الهواء، ماذا نقول فيها؟ مرسي سقط... تماماً كحسني مبارك، وزين العابدين بن علي، وعلي عبدالله صالح، ومعمر القذافي... أنا أمام الكاميرا وكل الباقين، الأصدقاء الجدد، وأولئك الذي نعرفهم من قبل، كلهم يغنّون خلف الكاميرا، يرقصون أمامي &laqascii117o;أصله ما عداش على مصر".. ابتسامة النشوة نفسها. أريد فقط أن أقفز على الهواء، أريد ان انزل إلى الشارع. ربما قفزت أمام الكاميرا لا أعرف. ردَّدت أكثر من مرة بغبطة &laqascii117o;الرئيس السابق، الرئيس المعزول محمد مرسي". سقطنا، كلنا في امتحان الموضوعية. ربما يومها كان السقوط نفسه انتصاراً لنا. مراسلون نحن، لكننا أيضاً مواطنون عرب نبحث عن القليل القليل، من الأمل في بلادنا.
في رابعة العدوية
عزل مرسي، إلى بيروت در... ومجدداً إلى القاهرة. كل شيء كان يوحي بأن حدثاً دموياً سيحصل. وحصل. أمام دار الحرس الجمهوري حصل ذلك. أكثر من خمسين قتيلاً من مناصري &laqascii117o;الإخوان المسلمين"، بعد محاولتهم اقتحام مبنى الدار. هل حقاً هذا ما حصل؟ لا نعرف. الرواية العسكرية تقول كذلك. فجأة تهدأ نشوة النصر، وتبرز مكانها كل الأسئلة الأخرى: عن دور العسكر، عن أحقية إقصاء الطرف الآخر، الطرف المهزوم، عن شكل الدولة الجديد.. ماذا نقول؟ الموضوعية، الموضوعية نكرّر. لا موضوعية من دون ميدان رابعة العدوية، كان الأمر محسوماً. الزميلان &laqascii117o;الانتحاريان" أحمد جوهر ومحمد رشيدي، جاهزان للمهمة. سنذهب إلى هناك، ولن نخبر أحداً. وهكذا كان. رعب على مداخل الميدان، ندخل ويتم توقيفنا: ماذا تصورون؟ لماذا تركزون على المساحات الفارغة؟ &laqascii117o;نريد فقط تصوير الجرحى". يتم استجوابنا، وندخل مجدداً. نستمع إلى شهادات الجرحى. صادقون هم. انتهينا من التسجيل، نخرج من رابعة العدوية إلى ميدان التحرير. نصر مختلف هذه المرة. سننقل كل الصورة. صورة الجلاد الذي تحوّل فجأة إلى ضحية تسيل دماؤه على الأرض.
المشهد الأخير
العودة الأخيرة إلى بيروت. العودة مجدداً إلى العمل اليومي... نـــترك القاهـــرة، وكـــل الذكريات الجميلة لا تزال هنا: الســطح الذي علمنا الكثير... الأصـــدقاء ـ الزملاء الذين قضينا عشـــرة أيام وليالي معهم، في انتـــظار الصــورة المناسبة والخـــبر العاجل، والمعلومة المهــمة. عشرة أيام علمـــتنا الكثير. علمــتنا كيـــف تصــنع الثـــورات، كيف يذوب المراســل فــي نبـــض الأحـــداث والتغـــييرات الكـــبرى، وكيـــف يختـــفي هـــوس المنافــــسة بين الزمـــلاء... هـــل قلـــنا إننـــا ســـقطنا فــي امتحــان الموضوعيـــة؟ ربمــا... لكـــنَّ الثـورة نجحــت.
2013-07-13 02:21:07