- صحيفة 'السفير'
محمد بنعزيز
كئيبة هي مساءات مقاهي الأحياء الشعبية في المدن المغربية. يمر الوقت عليها ثقيلاً. تهب ريح محملة بغبار وبأكياس بلاستيكية. يلقي النادل نظرة على المقاهي الفارغة ويلمس جيبه. ينتقل بين قنوات الأخبار فلا يجد جديداً يغري في وجوه السياسيين. ينزل الظلام وتزداد غمة ما تبقى من الزبائن، خصوصاً الشبان الذين اعوجّت أبهاماتهم في اللعب على شاشات هواتفهم. يتغير هذا تماما في المساءات التي تعرض فيها تلفزيونات المقاهي مباريات &laqascii117o;دوري أبطال أوروبا". حينها تضيء الشاشات خضراء، كما حصل مساء الثلاثاء الماضي، مطلع الشهر الحالي.
على شاشة أولى مباراة &laqascii117o;برشلونة" ضد &laqascii117o;سيلتيك" الاسكتلندي، على شاشة ثانية مقابلة &laqascii117o;آرسنال" الإنكليزي ضد نابولي الإيطالي. على قمصان &laqascii117o;آرسنال" و&laqascii117o;البارشا"، إعلانات لمؤسسات خليجيّة، طافحة بالبترو دولار. على شاشات المقاهي المغربية قنوات خليجية أيضاً، تعرض المبارايات.
يتابع المتفرجون ملاعب أشبه بصالونات الجنة، يجري فيها لاعبون يفيضون رجولة ووسامة. تلتقطهم الكاميرات من كل الزوايا، وبسلم لقطات متعدّد. نرى اللاعب يجري، يسدّد ثم نرى وجهه قريباً يملأ كل الشاشة. هكذا صار اللاعبون أيقونات عالمية تزرع الأمل في عشاقها أكثر من الأيقونات الدينية.
المتفرجون سعداء جداً، ردود أفعالهم قوية. بعضهم يقف. في أحيان كثيرة تنكسر الكؤوس والقناني.
هذه أجواء ملهمة للمراقب: عين على الشاشة وعين على المقهى. يدخل بائعو الفول السوداني والحمص لغوث الجياع. يجري النادل فرحاً، يجد صعوبة في المرور بين المقاعد المتزاحمة. تزداد المحبة فجأة بينه وبين الزبائن. يتلقى أحدهم اتصالاً هاتفياً، يبدو أنه من امرأة فيجيب بعصبية &laqascii117o;بعد نهاية الماتش". جاءت متسولة تجر طفلا تتوسل لم يسمعها أحد فخرجت. كان المتفرجون مشدودين إلى الشاشة الساحرة.
أنصار &laqascii117o;برشلونة" يتحمّسون أكثر من غيرهم، بينما مشروع انفصال كاتالونيا عن اسبانيا يقترب. لمع ليونيل ميسي بغيابه، فطمع الاسكتلنديون في هزم &laqascii117o;برشلونة". يهدر لاعبو &laqascii117o;البارشا" فرصا فيضرب بعض الشبان أفخاذهم حسرة. يسترجعون حماسهم بفضل التعليق الشاعري المليء بالسجع والاستعارات. بعد كل لقطة تُظهر مهارة اللاعبين يصرخ المعلق &laqascii117o;شيء كبير يا عمري". يهدر المقاتلون الاسكتلنديون فرصاً فيحزن جمهورهم في الملعب بينما يفرح المغاربة في المقهى.
حاول نيمار سدّ فراغ ميسي، فتسبّب في طرد قائد الاسكتلنديين. صفّق الشبان بفرح وهم يعيشون النموذج المطلق للفرجة. لذا لن يكون مساءهم هذا كئيباً. بل لديهم موضوع للمناقشة بعد نهاية المباراة. وغداً صباحاً سيستيقظون مع تعليقات جديدة.
بعد تسجيل هدف &laqascii117o;البارشا"، يقدّم المعلّق تعزية مهينة &laqascii117o;للاسكتلنديين شرف المحاولة". لعبوا بقتالية وطنية عالية مع فريق سيطر على الكرة بنسبة ثمانين في المئة. ضبطتُ نفسي متلبساً بمساندة الاسكتلنديين بسبب فيلم ميل غيبسون &laqascii117o;القلب الشجاع". هذه هي اسكتلندا بالنسبة لي، مُرمّزة في صوت وليام والاس العالي يردد قبل أن يعدمه الأنكليز &laqascii117o;فريدوم".
في الحقيقة فرجة الكرة أكثر جاذبية من فرجة السينما. لكن فرجة الكرة آنية، فبعد المقابلة لا يبقى من ركلات اللاعبين شيء. نادراً ما يستطيع الجمهور أن يشاهد مقابلة مسجلة بنفس الحماس. بينما الأفلام تدوم لأن اللقطات ليست ركلات بل تركيب معاني. لذا يمكنكم مشاهدة &laqascii117o;القلب الشجاع" من جديد وستسحركم قتالية الاسكتلنديين حتى لو هزموا.
2013-10-05 00:38:41