- صحيفة 'السفير'
سحر مندور
منذ الحلقة الأولى من موسم 'البرنامج؟' الثالث، وضع باسم يوسف النظام المصري الانتقالي الجديد أمام أولى مسؤوليات الديموقراطية المشتهاة. ولكن، بالنتيجة السريعة، بدا أن النظام الذي يُطهى راهناً، لا يحتمل 'برنامجاً' اعتبرته مجلة 'تايمز' مؤثراً في تقويض سلطة 'الإخوان المسلمين'. فقد عُرضت حلقة باسم ليل الجمعة الماضي بعد طول انتظار، وتميّزت بتوازنٍ حاد الذكاء وعالي الكوميديا في نقد الفلول و'الإخوان' والحكم الراهن بوجهيه، الجنرال 'المعشوق' والمستشار المجهول. وفي ختامها، أعلن 'البرنامج' تحيّزه لحرية الإعلام والديموقراطية، في موقفٍ بدا صعباً في مصر الشعب ومصر السلطة اليوم، إذ مهّد له في مقالته في 'الشروق' قبل أيام، ثم في 'برومو' عودة البرنامج، وصولاً إلى الحلقة التي علّلت أسباب اتخاذ هذا الموقف، ومدى فائدته العامة. ومع ذلك، صدر صباح أمس الأحد اعتذارٌ باسم مجلس إدارة شبكة 'سي بي سي' المصرية عن تلك الحلقة الأولى. ومن الممكن أن يأتي هذا الاعتذار كتمهيدٍ لوقف البرنامج بقرارٍ 'حرّ' يصدر عن مقدّمه، أو يكون محاولةً لاستيعاب رأي عام غاضب من البرنامج وموالٍ للسلطة.
يقول الاعتذار: 'تابعت شبكة قنوات 'سي بي سي' ردود الأفعال الشعبية التي أعقبت حلقة أمس الأول الجمعة من برنامج 'البرنامج' للإعلامي باسم يوسف، والتي جاءت في معظمها رافضة لبعض ما جاء في هذه الحلقة، إذ تؤكد مجموعة القنوات لصاحبها محمد الأمين أنها ستظل داعمة لثوابت الشعور الوطني العام ولإرادة الشعب المصري، وحريصة على عدم استخدام أي ألفاظ أو إيحاءات أو مشاهد في برامجها تؤدي إلى الاستهزاء بمشاعر الشعب المصري أو رموز الدولة المصرية، كما تؤكد القناة أنها ستظل تمارس حرية الإعلام كاملة وتؤكد تأييدها ودعمها لثورتي الشعب المصري 25 يناير و30 يونيو'.
المحطة تعتذر عن نجمها القوي سابقاً، وكأنّها تتخفّف من وطأة مشاكله بعدما استتبت علاقتها بالسلطة. وقد بنت الاعتذار على ثلاثيةٍ رمزيّة نادراً ما تخطئ غرضها: 'مشاعر الشعب' و'رموز الدولة' و'الإيحاءات'. لن تحكي بالخطوط الحمراء في زمنٍ كهذا، ولن تستحضر اسم السيسي في سياق المنع. ادّعت تنفيذ رغبة 'الشعب'، وأبدت مشاركته الحرص على رموزٍ يجسّدون الدولة (لا يؤدون دوراً فيها فحسب)، ثم انتفضت للذود عن الأخلاق العامة، الكرزة التي تمهر كل شيء بالشمع الأحمر.. مع أن الإيحاءات الجنسية لم تولد أمس في 'البرنامج؟'، بل حلّلت مشتهاة في حلقات نقد 'الإخوان'، علماً أنها أتت في الحالتين ذكوريّة الطابع، أمينة على مفاهيم المجتمع. الاعتذار مدروسٌ بعناية، وقد غلّف هدف السخرية (أي ممارسات النظام القائم) بحبّ الناس، بحيث يصبح المستهدَف بالسخرية هو حب الناس، وليس ممارسات النظام. لقد وضع الاعتذارُ 'الناسَ' في مواجهةٍ مع 'البرنامج؟'، ودعّمت القناة نفسها بأصوات رافضيه اليوم، بعدما كانت تتسلّح خلال حكم 'الإخوان' بأصوات مريديه.
وفي خلال الحلقة، بدا أنّ جمهور الاستديو الذي التقى سابقاً على عداء 'الإخوان'، بات يتوزع اليوم بين صفوفٍ تصبّ أكثريتها في مصلحة السلطة التي أجهزت على 'الإخوان'. صفق بعضهم لاستحضار 'تسلم الأيادي' وصورة السيسي، لكنهم منحوا الحلقة تركيزهم، وضحكوا لما يلاحظونه أو يهملونه في وضعٍ يعيشونه، واستمعوا واستمتعوا حتى صنعوا إيقاع الحلقة بالتصفيق الحاد. تراهم وافقوا 'البرنامج؟' على أهمية النقد بغض النظر عن أغراض الحب. وتكفي مراجعة التعليقات على خبر اعتذار القناة، ليفهم المرء أن نقاش المسموح والممنوع ينمو بقوّة في المجتمع المصري اليوم، وليس صحيحاً أنه محسومٌ حتى ضمن الأكثرية التي تتفاءل بالوضع الراهن. فتجد قارئاً لموقع جريدة 'المصري اليوم' يضع صورة السيسي مكان صورة وجهه، يدافع عن 'البرنامج؟'، ضمن نقاشٍ فيه من يشبهه بالولاء، وفيه من يرفع إشارة 'رابعة'، وفيه من يكتفي بالصورة الشخصية.. وفيه الكثير من التهم والإهانات المتبادلة بينهم أيضاً، وهي من طبيعة الكلام على عداوة.
أما هو فقد اختار العودة إلى الصورة ما إن بدأت عاصفة التأييد تهدأ، واقترح برنامجه كمقياسٍ حسّي لمدى حرص السلطة الانتقالية على حريّة التعبير. فسخر من علاقة الحب شبه الإيروتيكية التي تُغزل بين 'الجماهير' ورجلٍ تسمّيه الشاشات بـ'الدكر اللي كانت مستنياه مصر'. وشكّك بأن الجنرال سيحمي الحريّة مستعيداً كلام السيسي نفسه عن 'استيعاب الإعلام قدر المستطاع' لحين 'خلق أذرعٍ' فيه. وكانت تكفي المقتطفات التي أوردها 'البرنامج؟' من أبرز البرامج التلفزيونية على القنوات الخاصة، كما ردود فعل تلك البرامج المختلفة على حلقته الأولى، للتأكيد أن 'الأذرع' جاهزة للخدمة.
بذلك، وبوضوح، أعلن باسم يوسف وفريق عمله التحيّز لأقليةٍ من الشعب المصري، استمرت منذ 30 يونيو وحتى اليوم بالتنبيه من استعادة نظام 'الديكتاتور العادل' بدلاً من إنشاء نظامٍ قابل للمحاسبة، والتغيير. وهو، من موقعه كناقدٍ للسلطة، تتمتع صفحته على 'فايسبوك' بـ3.5 ملايين متابع، وحصدت حلقته مئات ألوف المشاهدات على 'يوتيوب'، لا مصداقية له إلا بين هذه الأقلية التي ستنمو بلا شكّ مع الأيام.
إن إعلام مصر اليوم يقف أمام امتحانٍ عام، بعد الإسكات الذي واجه به كل رأي مختلف منذ 30 يونيو. وهو امتحان بحجم شهرة باسم يوسف، التي يفترض أن تخصّه بحصانة. تلك الحصانة التي حمت حلقاته يوم رفع 'الإخوان المسلمون' دعاويهم ضده، والتي اعتذرت عنها 'سي بي سي' أمس، في زمن كتابة الدستور الجديد.
2013-10-28 03:09:31