- صحيفة 'السفير'
سناء الخوري
شهدت الشاشات اللبنانيّة بالأمس، يوماً آخر من أيّام البثّ المباشر المفتوح على العثرات.. ولا جديد في ذلك. مخيفٌ الكلام المتدفّق من الشاشة، فوق صور الجثث المتفحّمة. مخيفٌ لأنّه مجانيّ، ولا يتوقّف، كشريط &laqascii117o;كاسيت" قديم نسيه أحدهم في المسجّلة، وغادر المنزل لأيّام. إزعاج خالص، وغير مسؤول، وغير مبرّر، وتبذير للطاقة والأثير.
لجأت الشاشات إلى النسق المعتاد، عند كلّ حدث أمنيّ يودي بحياة أبرياء: أخبار وأرقام متضاربة، سباق إلى موقع الحدث، بثّ مباشر غنيّ بالمعلومات غير المفيدة أو اللا أخبار، لقطات قريبة وطويلة على الجثث والأشلاء، ملاحقة للجرحى إلى غرف المستشفيات، فائض من اتصالات الشجب والاستنكار، تحليلات، وتضامن. في نسقٍ موازٍ، تمسّك &laqascii117o;تلفزيون لبنان" بفقاعته. واصل عرض تقرير عن زيارة وزير الداخليّة إلى لاسا، ضمن برنامج &laqascii117o;مشاكل وحلول"، وفقرة الطبخ المقدّسة مع الشيف أنطوان.
في الصورة الثرثارة للمشهد التلفزيوني بالأمس، ما يدفع إلى ترك النظريّات الإعلاميّة جانباً ــ وفي مقدّمتها تلك المتعلّقة بأخلاقيّات المهنة ــ والبحث عن تحليل فرويدي لكلّ ذلك الرَّغو. من هذا المنظار، لا يعود التخبّط الإعلامي أمام كلّ حدث، إلا الجانب الظاهر من نزعات جماعيّة كامنة، تهرب إلى الإفراط في الكلام لإزاحة الانتباه عن مكمن الألم الحقيقي. كثرة الكلام، كمحفّزٍ على اللامبالاة، وعلى استحضار حالة من الاهتمام الكاذب، وسط عجز تام عن الفعل والفهم. الشاشات هي جزء من كلّ، في تلك المشهديّة الجنائزيّة المتواصلة، والمستعادة عند كلّ مأساة شبيهة بما شهده محيط السفارة الإيرانيّة بالأمس. الجميع سيستيقظ في اليوم التالي، ويستأنف دورة برامجه المعتادة، بانتظار جولة أخرى من الدماء والثرثرة.
في الإهمال المتكرّر لأخلاقيّات الإعلام البديهيّة، ما يحفّز على استحضار فرويد أيضاً. من الصعب التصديق أنّ القيّمين على الأخبار في القنوات المحليّة، جاهلون لحساسيّة عرض صور أجساد مقطّعة الأوصال، وأشلاء بشريّة، على مرأىً من العائلات ربما، وأمام عيون غرباء كثر. ما بثّته الشاشة بالأمس، رفع السقف كثيراً في مجال انتهاك خصوصيّة ضحايا التفجيرات، من خلال استعادة الصور نفسها لأكثر من مرّة، وحتى تركيز الكاميرا على بطاقة هويّة أحد الضحايا. وبعد منع الكاميرات من دخول مسرح الجريمة، لم تتردّد بعض التلفزيونات في ملاحقة الجرحى إلى غرف الطوارئ، وتصويب العدسات إلى المباضع تحاول إعادة تجميع أطراف ممزّقة. &laqascii117o;الميادين" كانت أوّل من بثّ صوراً قاسية من موقع التفجير، وواصلت بثّها مع تنويه للمشاهدين ذوي القلوب الضعيفة. &laqascii117o;المنار" عرضت الصور ثمّ أزالتها. &laqascii117o;المؤسسة اللبنانيّة للإرسال" عرضت الصور منقولةً عن &laqascii117o;الميادين" و&laqascii117o;المنار" قبل أن تعتذر عن عرضها، ثم تعاود عرضها من جديد، وتبحث عن صور &laqascii117o;حصريّة" من غرف المستشفيات. المبرّر الخبري لعرض تلك الصور مفقود، إذ لا سبق فيها، ولا معلومة، ولا حتى &laqascii117o;بعد جماليّ" يكمّل عناصر &laqascii117o;الإبهار"، إلى جانب الحديد المصهور، وواجهات الأبنية المحطّمة.. إنّه عرض مجّاني، وغير مسؤول، وساديّ، لا يتوقّف. كأنّه الجانب الظاهر من نزعة جماعيّة كامنة، تتلذّذ بمشهد الجثث المقطّعة، لا بل تتسلّى به، تجده نوعاً من أنواع الترفيه.
في الهفوات الكلاميّة الغريبة بالأمس، ما يحفّز كذلك على توسيع المقاربة الفرويديّة. مراسل &laqascii117o;أم تي في"، وجد من المفيد الإشارة إلى أنّ الحالة الماديّة لسكّان المنطقة المنكوبة، ميسورة. هل ذلك يقلّل من حوافز التعاطف معهم مثلاً؟ مراسل &laqascii117o;المنار" أفاد بـ &laqascii117o;فشل التفجير الإرهابي" رغم سقوط عشرات الشهداء والجرحى! هل يعني ذلك أنّ حيوات من قضوا أقلّ قيمة من حياة الديبلوماسيين في السفارة المستهدفة؟
يجد العاملون في التلفزيونات صعوبة في البحث عن التماسك المطلوب، لتقديم معلومة نظيفة ومتكاملة، في ظرف مماثل.. لكنّهم بذلك يفقدون محور اهتمام المشاهد، المعنيّ أوّلاً بمعرفة حقيقة ما يحدث. وقد تكون مواكبة الإعلامي سامي كليب للبثّ المباشر على شاشة &laqascii117o;الميادين" بالأمس، مثالاً رائداً في مخاطبة المشاهد، من خلال عرضه المعلومات بشكل مفهوم، ومتكامل، والإضاءة على جوانب الحدث السياسيّة والأمنيّة كافة، من دون ضياع ولا مبالغات إنشائيّة وانفعاليّة.
تنكر الشاشات اللبنانيّة حاجتها لإعادة تقييم نسق تغطيتها للأحداث الأمنيّة (عقدة نكران؟). وحين يتكفّل روّاد الإعلام الجديد بتعقّب هفوات المراسلين والمذيعين، يكون الردّ غالباً باتهام أصحاب النقد بقصر النظر والغيرة والتآمر (عقدة اضطهاد؟). ورغم إمكانيّة البحث عن بدائل للبثّ المباشر المجّاني، تتمسّك التلفزيونات المحليّة به، كحلّ عظيم، وسحريّ، وضروري، ووحيد لا بديل عنه (جنون عظمة، أم عقم في الخيال؟). المفارقة، أنّ الموقف نفسه يتكرّر في كلّ مرّة، وعند كلّ حدث أمنيّ، لدرجة بات بالإمكات التكهّن بشكل اليوم التلفزيوني فور سماع الخبر السيئ. يقال إنّ المشكلة في العقل المسيّر للإعلام اللبناني، لكنّ تمسّك هذا العقل بأنساقه الثابتة، يشي بأنّ المشكلة تكمن في مكان آخر.. في إحدى طبقات العقل الباطني لهذه المنظومة الإعلاميّة.
2013-11-20 00:55:39