تلفزيون » إعلان «أميركا جميلة»: أهلاً بالعنصريّة


صحيفة السفير ـ آدم شمس الدين

اختارت شركة &laqascii117o;كوكا كولا" حفلة افتتاح نهائي كرة القدم الأميركيّة (سوبر بول)، لعرض أحدث إعلان تسويقي لها. الشركة التي يصل رأسمالها الإجمالي إلى 50 مليار دولار، صمَّمت إعلاناً خاصاً بالمناسبة، يستهدف السوق الأميركي. مدّة الإعلان دقيقة وثانية واحدة. يبدأ بإظهار راعي بقر في أحد الأرياف الأميركية، ترافقه في الخلفية الأغنية الوطنية الشهيرة &laqascii117o;أميركا جميلة". على وقع اللحن نفسه، تتغير كلمات الأغنية تباعاً، وفقاً للوجوه الظاهرة في الفيديو، بالاستناد على إثنيّاتهم المختلفة. تنتقل الأغنية بذلك من اللغة الانكليزيّة، إلى الاسبانية، فالبرتغالية، والعبرية، والعربية، والهندية، الصينية، إلى جانب لغة السكان الأصليين.
هدفت &laqascii117o;كوكا كولا" بذلك إلى إيصال رسالة تقول: &laqascii117o;هنالك شيء وحيد أجمل من هذه البلاد، وهم الناس الذين يعيشون فيها"، كما جاء في الشعار الممهور أسفل الشريط على &laqascii117o;يوتيوب". إنّه إعلان يمجد التعددية الإثنية في الولايات المتحدة إذاً. لكن التمجيد الذي سعت الشركة إلى إظهاره، أثار موجة استنكار واسعة لدى شرائح واسعة من الأميركيين، وظهر ذلك بشكل واضح على مواقع التواصل الاجتماعي. هوجمت &laqascii117o;كوكا كولا" لاستخدامها أغنية وطنية أميركية، وتأديتها بلغة &laqascii117o;المهاجرين"، وليس الأميركيين &laqascii117o;الأصليين". لا داعي هنا للدخول في تعريف من هو أميركي في الأصل، فالخلاصة ستودي بطبيعة الحال إلى اللازمة المكرّرة، عن أنّ الشعب الأميركي بنى مدنيّته أساساً، على أنقاض حضارة السكان الأصليين، وأن الشعب نفسه ليس سوى امتداداً للمهاجرين الأول الذين استوطنوا القارة المكتشفة، لتتالى بعد ذلك الهجرات الواسعة وأكبرها خلال القرن العشرين. يستطيع ما يقارب 100 مليون أميركي، اقتفاء أصولهم المهاجرة من خلال بيانات جزيرة &laqascii117o;أليس آيلند" في نيويورك.
ما علينا! استفزّ الإعلان المهاجرين &laqascii117o;القدامى"، لإشراكه المهاجرين &laqascii117o;الجدد" بأغنية وطنيّة أميركية. انتشر على موقع &laqascii117o;تويتر" وسم SpeakAmerican#، أي &laqascii117o;تكلّموا الأميركيّة"، اعتراضاً على ترجمة الأغنية إلى لغات مختلفة... اللغة المحكية في الولايات المتحدة، هي الأميركيّة، وليس الانكليزية إذاً! ترافق الوسم مع عبارات عنصرية، ومليئة بالكراهية تجاه كلّ العناصر &laqascii117o;الغريبة" في الشريط الترويجي، من العربي &laqascii117o;الإرهابي"، إلى &laqascii117o;اللاتيني" السارق للوظائف، والأسود &laqascii117o;رجل العصابة" الخ. المثليّون لم يسلموا من الهجوم أيضاً، وذلك نتيجة ظهور ثنائي مثلي في الشريط. فات المنزعجون من الإعلان بأن الأغنية الوطنية &laqascii117o;أميركا جميلة" نفسها، التي يتغنون بها، وبضرورة غنائها فقط باللغة &laqascii117o;الأميركية"، هي من تأليف كاثرين لي بايتس، أستاذة جامعية أميركية، ومؤلّفة أغان ربطتها علاقة حبّ بزميلة لها تدعى كاتارين كومان حتى وفاة الأخيرة في العام 1915.
لا تختصر ردود الفعل المعترضة على الإعلان، الرأي العام في الولايات المتحدة. إلا أنَّها تفضح بالتأكيد أكذوبة وعاء الانصهار الذي تتغنَّى الولايات المتحدة كدولة به، وبأنَّها أرض &laqascii117o;الحلم" للجميع.
لم تصدر &laqascii117o;كوكا كولا" أيّ بيان توضيحي حول حملتها، بعدما دعا كثر إلى مقاطعتها. التزمت الشركة الصمت، ربما على قاعدة &laqascii117o;الإعلان السيئ يبقى إعلاناً. لكن في صمت &laqascii117o;كوكا كولا" ما هو أبعد من ذلك. فبناء على دراسة أجراها المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة، شملت مدينة نيويورك، فإنّ الأميركيين من أصول أفريقيّة، والبورتريكيين، والمكسيكيين، يشربون ضعف الكميّة التي يشربها ذويي البشرة البيضاء من منتجات الشركة. وبيّنت الدراسة أيضاً أنّ من هم أقرب إلى خطّ الفقر، يستهلكون كميات من المشروبات الغازية أكبر بكثير من الذين يتقاضون رواتب مرتفعة.
في العام 1929، وحين كان تدخين النساء مستهجناً في الولايات المتحدة، عمدت مجموعة من النساء إلى التظاهر، متسلحات بالسجائر كرمز لتحدي ظلم الرجل، وللمطالبة بالمساواة. وعرفت التظاهرة لاحقاً باسم &laqascii117o;مشعل الحرية". بعد سنوات طويلة اتضح أنّ تلك &laqascii117o;الهمروجة"، كانت جزءاً من حملة دعائيّة تهدف لزيادة مبيعات السجائر بين النساء، هندسها مؤسس علم العلاقات العامة إدوارد برنايز، بتكليف من الشركة المنتجة للسجائر.
لم تسعَ &laqascii117o;كوكا كولا" بالضرورة من خلال إعلانها الأخير، إلى تعزيز فكرة التعددية في الولايات المتحدة. فقلما تقع شركات ضخمة في هفوات إعلانيّة، قد تدفع إلى شنّ حملة مقاطعة ضدها، لتؤثر سلباً على عائداتها. ولو حصل ذلك، لم تكن &laqascii117o;كوكا كولا" لتتردّد لحظة بالاعتذار عن إعلانها &laqascii117o;المسيء". تعرف الشركة السوق، وتعرف من تستهدف، وخسارة الممتعضين من إعلانها &laqascii117o;التعدّدي"، قد يدفع الآخرين إلى اعتبار الشركة، مثالاً أخلاقياً وجب احتضانه بشراء منتجاتها.

2014-02-08 00:08:59

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد