تلفزيون » يهود لبنان وأم تي في: نسيان المصدر ليس مجرّد هفوة

بيسان طي
لم يكن مجرد خطأ عابر ذلك الذي شهدته قناة 'أم تي في' اللبنانية، حين عرضت تقريراً عن يهود لبنان معظم مشاهده ونصّه من عمل توثيقي أعدته الصحافية ندى عبد الصمد وقدمته ليس فقط على شاشة 'بي بي سي' بل أيضاً في مهرجانات سينمائية في لبنان والخارج، وأثار نقاشاً موسعاً، وتناولته مقالات صحافية، ولاقى شعبية لا بأس بها.
الخطأ الذي وقعت فيه 'أم تي في' تم تبريره من قبل القناة بـ 'نسيان ذكر المصدر'، وهنا مكمن 'المصيبة' المهنية. فهذه ليست المرة الأولى التي تتردّد فيها في الآونة الأخيرة هذه اللازمة؛ نشهدها في الإعلام المرئي وفي الصحافة المكتوبة، حين يُواجَه صحافي بنسخه (إن لم نقل سرقة) عمل آخرين، فيردّ بأنّه 'نسي ذكر المصدر'.
يجدر التذكير بداية إلى أن نسيان ذكر المصدر هو خطأ فادح يُسقط عن هذا النوع من التقارير صفتها الصحافية والإعلامية، المصدر هو جزء من مصداقية العمل، ومكوّن أساسي له.
كما أنَّ المصدر تمكن العودة له، واستشارته، والتحقّق من مصادره هو نفسه، ومناقشته، والتحقيق معه في مدى دقّة ما أتى به، والذهاب إلى مصادر أخرى لتثبيت أو نفي معلوماته، لأنّ المصدر بذاته ليس كتاباً مقدساً نلتزم بتعاليمه. تشكيك الصحافي بمصداقية 'المصدر' وسعيه إلى التحقّق من كلمة أو معلومة ترد على لسانه، والتأكد من صحتها من أكثر من مصدر، هو ما يجعل أي مقال أو تقرير عملاً صحافياً لا مجرد استعراض خواطر.
ظاهرة 'نسيان ذكر المصدر' هي الوجه الآخر لإحدى هفوات الصحافة والإعلام اللبناني الحديثة، والمتمثلة بعمليات النسخ عن تقارير وكتابات مُعدة حديثاً تقع تحت نظر الصحافي لاعتماده حصراً على محرك البحث 'غوغل'، يأخذ منه احدى النتائج المقترحة وينسخ ما يجده فيها. بكلمات أخرى، هذه الظاهرة هي التعبير الأوضح عن الكسل المنتشر بشدّة بين عدد لا بأس به من الصحافيين، حيث أنهم استبدلوا مفهوم مهنة البحث عن المتاعب بـ'البحث عن تقرير ننسخه'، هذا ما يمكن أن نستدل عليه بمتابعة لجزء من النتاج الإعلامي اللبناني، أو ربما وببساطة من خلال المقارنة السريعة بين الناسخ والمنسوخ عنه في قضية التقرير الذي عرضته 'أم تي في'.
فالعمل التوثيقي المصور الذي أعدته ندى عبد الصمد عن يهود لبنان إنما هو نتاج سنوات من العمل المضني، من البحث في مصادر وكتب تؤرّخ لوجود اليهود في لبنان، من لقاءات مع جيرانهم وأصدقاء لهم، ثم الخروج من لبنان للتفتيش عن هؤلاء اليهود أو أولادهم في أكثر من قارة، والتدقيق في كل المعلومات التي استقتها. كما أن التصوير الذي اعتُمد والنص المرافق (السكريبت) إنما جاءا نتيجة خيارات مهنية مبنية على ما توصلت له ندى في بحثها الطويل. أما التقرير التلفزيوني الأخير فهو بالتأكيد لم يتطلب جهداً مضنياً بل 'سُلق' على عجل، وإلا كيف يمكن أن يفسر لنا معد التقرير وكل المسؤولين في إدارة تحرير نشرة الأخبار في المحطة، عملية استنساخ جزء من النص بالتحديد؟
من المؤكد أنّ المحطة اللبنانية التي تتمتع بشعبية جيدة قادرة على تصحيح الخطأ/الفضيحة من خلال الاعتراف به أولاً، ومحاسبة كل المسؤولين عنه ثانية (وليس معده فقط). ومن الظلم اعتبار هذا الخطأ استثناءً في الأداء الإعلامي اللبناني أو أنه حكر على 'أم تي في'، فتقارير كثيرة تُبثّ على أكثر من محطة هي نسخ لجهد صحافيين آخرين (من الإعلام المكتوب غالباً)، والأسوأ أن هذه الظاهرة هي جزء من مشكلة أكبر بات لها اسم في غير مكان من الخارطة الإعلامية العربية، وهو اسم 'هفوات الإعلام اللبناني'.
المصدر: صحيفة السفير

2014-06-02 03:31:06

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد