أحمد ناجي
الكاميرا مثبّتة على مبنى المحكمة الدستورية الذي صمّمه المعماري أحمد ميتو. كان الأخير بين من صبغوا المباني الحكومية والتاريخية في عهد حسني مبارك، ببصمةٍ خاصة، تقوم على مزج الأيقونات والصور النمطية لتاريخ العمارة المصرية، بالزجاج واللمسات الحديثة المعاصرة. جاءت النتيجة على هيئة مبنى المحكمة: معبد فرعوني يحاول أن يعكس الفخامة، لكنّه محاصر بأبنية شاهقة، وبطريق الكورنيش السريع، ما يجعله تصميماً منزوعاً من سياقه التاريخي، يبدو كقزم وسط مباني حيّ المعادي الضخمة. يكتمل المشهد مع منظر المدرّعة المركونة أمام المحكمة في انتظار وصول الرئيس الجديد. المبنى الذي يفترض أن يعكس هيبة الدولة، يظهر على الكاميرا في هيئته تلك، معبّراً عن تشوهها وانفصال خطابها عن الواقع.
&laqascii117o;كيتش"
لا نعرف من هو المسؤول عن تصميم ملابس قضاة المحكمة الدستورية، وإن بدا مشهدهم مع السيسي محاولة لاستعادة لحظة تنصيب الفراعنة القدامى على يد كهنة المعبد. تسيطر البلاغة وأجواء الكيتش على المشهد كلّه. يبدأ المستشار ماهر سامي نائب رئيس المحكمة، في إلقاء كلمة طويلة يستدعي خلالها اقتباساً من المستشار الراحل عوض المر، أبرز قضاة المحكمة الدستورية، والذي دافعت أحكامه دائماً عن حرية العقيدة وحرية التعبير. في الاقتباس المستخدم، يتحدّث المرّ عن حقّ الشعب في الثورة على السلطة الفاسدة. لكنّ المستشار يخلط فجأة بين الثورة والسلطة، فتخرج منه جملة &laqascii117o;ثورة على الثورة" فيما قد يحتسب كإشارة إلى ثورة &laqascii117o;30 يونيو"، باعتبارها ثورة على &laqascii117o;25 يناير"... لكنه يتدارك الموقف في النهاية بالمزيد من الجمل الإنشائيّة عن ثورة &laqascii117o;25 يناير". فيتحوّل المشهد الجليل إلى سلسلة من الأخطاء اللفظية تحاول البلاغة مداراتها.
عجائز ورؤساء
تنتقل الكاميرات بعد ذلك إلى قصر القبة، لمتابعة وصول الضيوف الذين أعلنت الرئاسة عن مشاركتهم في الاحتفالية. الغرض من الحدث إيضاح مدى التأييد والاعتراف بشرعية الرئيس الجديد، لكنّ أرفع منصب بين الضيوف، لا يتجاوز ولي العهد السعودي وملك الأردن. لميس الحديدي مع ضيوفها من الأستوديو، تحاول التعريف بالضيوف.. لكنّ المذيعة تجهل أسماء معظم المسؤولين، فتخرج منها تعليقات من قبل &laqascii117o;لفيف من المسؤولين الأفارقة"، أو &laqascii117o;أعتقد أن هذا رئيس.. آآآآه".
أمل صناع الاحتفال والمشهد، بأن يحصل على حيز من التغطية الإعلامية خارجياً، لكن كل القنوات العالمية ركزت في ذلك اليوم على الصلاة التي أقامها بابا الفاتيكان من أجل السلام في حضور الرئيس محمود عباس وشمعون بيريز. عباس نفسه حضر في الصباح مصافحاً السيسي ثم سافر إلى الفاتيكان، ليخطف الأضواء العالمية من الرئيس المنتخب.
في القاهرة أغلقت الشوارع والميادين الرئيسية، وتم منح يوم إجازة للمواطنين الذين حبسوا في منازلهم أمام الشاشات. من المحكمة الدستورية إلى احتفال الرؤساء والشخصيات العالمية، وحتى خطاب السيسي الليلي أمام النخبة المصريّة... جميع الوجوه على الشاشات لعجائز الدولة المصرية. لا مكان للشباب إلا أبناء السيسي وزوجاتهم الذين شاهدهم الشعب المصري للمرة الأولى. المعلقون والمحللون من ضيوف الشاشات، ينتمون إلى الفئة العمريّة ذاتها، مع ظهور خاص لطائفة جديدة معظمهم من أساتذة الجامعة الشباب، خصوصاً من كليات الاقتصاد والتجارة، الذين يحاولون البحث عن مكان في تركيبة الحكم الجديدة من خلال الظهور الإعلامي، والقيام بمهام السلطة القذرة.
&laqascii117o;ماذا تقول للرئيس الجديد؟"
هو السؤال الأساسي الموجّه للضيوف في كل البرامج، والإجابة تركز على &laqascii117o;الأمن". والأمن بالنسبة لهم لا يتحقَّق إلا من خلال تضييق مساحات الحريات والمظاهرات. وفي مثال واضح على ذلك، استغلّت المذيعة في قناة &laqascii117o;القاهرة والناس" نائلة عمارة الحدث، لاستكمال حملتها على المنظمات الحقوقية.
تحضر النخبة في المساء أمام السيسي. ما يفترض أن يكون مشهداً أنيقاً يتحوّل إلى مؤتمر من مؤتمرات الحزب الوطني لحسنى مبارك. بين كلّ فقرة من خطاب السيسي والأخرى، يقف أحدهم ويهتف &laqascii117o;احنا معاك يا ريّس". السيسي الذي يبدو مستمتعاً باللعبة، يقطع خطابه وشبح ابتسامة يهيم على وجهه، ويردّ على من يهتف &laqascii117o;وأنا كمان معاكم". وحين يقاطعه آخر، مستعيداً زمن مبارك، مطالباً بشيء ما، يردّ عليه السيسي، وهو منحنٍ على ورقة الخطاب، &laqascii117o;طيّب اصبر شويّة".
المصدر: صحيفة السفير