تلفزيون » الإعلام الغربي يبحث عن المراهقين المختطَفين: الجيش الإسرائيلي في مهمّة مقدّسة

نور أبو فرّاج
يسود الظلام المكان، وتسمع أصوات كلابٍ تعوي. يقتحم الجنود منزلاً فلسطينياً، يعتقلون شاباً على مرأىً من والدته. تلك مشاهد قصيرة بثتها &laqascii117o;بي بي سي" في تقريرٍ مصور أخيراً، لا تختلف عن غيرها من المشاهد التي غزت شاشات التلفزيون في الأيام القليلة الماضية. وإن كانت قنوات الإعلام الغربي تتجنّب عادة إظهار الجيش الإسرائيلي وهو يعتقل أو يعنّف الفلسطينيين، فهي اليوم ليست بحاجة للمواربة، إذ أن اختطاف الإسرائيليين الثلاثة في الضفّة الغربيّة المحتلّة، أضفى على تلك المشاهد طابع &laqascii117o;المهمة المقدسة"، وحوّل جنود الاحتلال إلى أبطالٍ يتصدّون &laqascii117o;للإرهاب".
وقفت وسائل الإعلام وراء اللهجة الحادَّة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامن نتنياهو، وهو يكيل الاتهامات أو يعلن بأنّ كلّ الوسائل متاحة من أجل إعادة المخطوفين. ذلك مكّنها من &laqascii117o;أخذ راحتها" في الانحياز شبه المطلق للموقف الإسرائيلي، مستغلّة الغموض الذي يغلّف الحادثة، والتكهنات حول الجهة المنفّذة للعملية. لجأت القنوات لتبسيط الحكاية أمام الرأي العام الغربي المحكوم بنقص المعلومات والتنميطات المسبقة عن &laqascii117o;المنطقة"، و&laqascii117o;العرب"، و&laqascii117o;المقاومة"، بحيث توزع الأدوار فيها بين &laqascii117o;ضحايا"، و&laqascii117o;أبطال"، و&laqascii117o;أشرار إرهابيين".
في تقريرٍ لـ&laqascii117o;بي بي سي" تحت عنوان: إسرائيل تتوقع مساعدة عباس في البحث عن &laqascii117o;المراهقين المفقودين"، تكبّدت، يولاند نيل، مراسلة القناة، عناء الذهاب في رحلة في السيارة لمعاينة المكان الذي تم فيه اختطاف الثلاثة. تقول المذيعة: &laqascii117o;كما ترون من الشائع جداً هنا بالنسبة للشبان الإسرائيليين إيقاف سيارات إسرائيلية وطلب توصيلة". تكمل إجراء لقاءات مع طلبة &laqascii117o;قلقين"، ثم تسأل: &laqascii117o;هل ترون هذا الصف الطويل من السيارات الفلسطينية؟". تشرح أن هذا حاجز إسرائيلي جديد، وضع هنا لتفتيش كل من يدخل ويخرج من المنطقة. تسأل بعدها بعض السائقين الفلسطينيين رأيهم. يجيب أحدهم أن الوضع سيتطور نحو الأسوأ، وذلك يتوقف على الكيفية التي يرى بها الجيش الإسرائيلي الأمور. &laqascii117o;نحن شعبٌ مسكين، عندما يرى الناس الجيش الإسرائيلي تضطرب مشاعرهم"، يضيف السائق الفلسطيني.
يحاول مذيع &laqascii117o;بي بي سي" اللعب بذكاء حينما يطرح في تسجيلٍ صوتي أسئلة &laqascii117o;محرجة"، على مسؤول عسكري في الجيش الإسرائيلي. يطلب بدايةً معلومات حول الشاب الفلسطيني الذي قُتل أثناء عمليات البحث عن المخطوفين، وحينما يؤكّد له الضابط أن ذلك حدث أثناء اقتحام الجيش الإسرائيلي لأماكن &laqascii117o;مثيرة للريبة"، وأنهم لا يحاولون إيذاء أي أحد، يقتنع المذيع بالإجابة بكلّ بساطة. وينتقل ليقول: &laqascii117o;يشير أشخاص عديدون إلى أنّ هناك خمسة آلاف فلسطيني في السجون الإسرائيلية، والآلاف منهم احتجزوا لأنهم وجدوا في إسرائيل بصورة غير قانونية، الفلسطينيون قد يقولون ربما أن هؤلاء الشبان كانوا في الضفة الغربية بصورة غير قانونية". بالطبع لا يوافق الضابط الإسرائيلي على الكلام، ويجد ألا مجال للمقارنة بين من تم &laqascii117o;سجنهم بعد إدانتهم بجرائم عبر سلسلة إجراءات قانونية، وبين حركة إرهابية تختطف ثلاثة مراهقين". وهكذا تفرّغ &laqascii117o;بي بي سي" قضية الأسرى الفلسطينيين من محتواها، بتلك الإجابات القطعيّة المقتضبة، التي قد تبدو مقنعة للرأي العام.
في ظل توسع &laqascii117o;داعش" في العراق وسوريا، والأوضاع المضطربة في المنطقة، قد لا يكون هناك فائدة من الضياع في التفاصيل الجزئية، وإنما ربط الملفات مع بعضها والبحث عما تحاول وسائل الإعلام الغربية أن تقوله من خلال قصة المخطوفين الثلاثة، باعتبارها جزءاً من كل. يلتزم الإعلام الغربي الدقة أثناء تعاطيه مع الحادثة، فيحاول، إيصال رسالة مفادها أن الحركات الإرهابية تشكل تهديداً حقيقياً على أمن المنطقة. ثم يضيّع بعدها الحدود بين &laqascii117o;داعش" و&laqascii117o;حماس" وغيرها من حركات المقاومة. ويكمل أنّ &laqascii117o;يد الإرهاب" امتدت الآن لتصل إلى المراهقين الأبرياء، بدلاً من الجنود الإسرائيليين. يتجنّب في الوقت عينه الإضرار بصورة الجيش الإسرائيلي، أو إظهاره عاجزاً عن حماية الأمن ودحر الإرهابيين. وهذا ما يفسر ربما كثافة التركيز على صور الجنود والعسكر ومشاهد الاعتقال القاسية.
قد تمتد قضّة اختطاف المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة سنوات، يحاول من خلالها الإعلام الغربي الاستفادة منها للأقصى، كما حدث مع الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. أو قد تنتهي بسرعة بمشاهد &laqascii117o;مؤثرة"، تختلط فيها دموع الأمهات الإسرائيليات مع النظرة الحازمة لجنود العدو بعد أن استطاع الانتصار على الإرهاب! ستكون خاتمة &laqascii117o;الحكاية" سعيدةً أو حزينة، تبعاً للسيناريو الملائم لصناع السياسة ومن خلفهم مؤسسات الإعلام الكبرى.
المصدر: صحيفة السفير

2014-06-19 03:36:46

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد