إسكندر حبش
لست من هواة مشاهدة التلفزيون الذي ابتعدت عنه من سنين طويلة لم أعد أذكرها؛ قليلة هي المرّات التي أجلس فيها أمامه لمتابعة أي شيء، ربما فقط بعض مباريات كرة القدم وبعض نشرات الأخبار وخصوصاً في أوقات الأزمات. غالباً ما كنت أردّد لنفسي، تلك الجملة الشهيرة التي قالها ذات يوم المخرج الفرنسي جان لوك غودار عن أن &laqascii117o;هذه العلبة البهيمة، لا تفعل شيئاً سوى تسطيح عقل المشاهدين". لذلك حاولت، ربما، أن أنجو بنفسي.. وما زلت أشعر بالمتعة حين يتمّ الحديث أمامي عن &laqascii117o;مسلسلات" و&laqascii117o;برامج" لا أعرف عنها سوى اسمها، ولا شيء آخر.. وقد يكون من الصعب عليّ شرح هذا الفرح الذي يتملكني حين أجد نفسي &laqascii117o;جاهلاً بأمور الدنيا" التلفزيونية.
أرغمت نفسي مؤخراً على &laqascii117o;العودة" إلى التلفزيون.. لا لأستزيد عِلماً، بل بسبب حنين ما. في مراهقتي، سحرنا مسلسل &laqascii117o;عشرة عبيد صغار" بألوانه البيضاء والسوداء. سحرنا أنطوان ولطيفة ملتقى (والمجموعة التي معهما) بعمل لا يزال حاضراً في أذهاننا ونفوسنا، (ولا يزال يسحرني كلّما تسنّى لي، مصادفةً، أن أشاهد نتفاً منه). اليوم، بعد &laqascii117o;التقدم في العمر"، أظن أن سبب هذا السحر، كان مردّه، إلى أنَّ ذاك المسلسل نُفّذ بشروط مسرحية، إن من حيث التمثيل، وإن من حيث الكادرات، وإن من حيث النص. كنّا أمام عمل درامي حقيقي، لا تشعر معه بتاتاً بأنك أمام علبة &laqascii117o;صمّاء" لا حياة فيها. كنّا أمام رهبة الخشبة، وكأنّك على تماس مباشر مع أولئك الذين يمرّون من أمامك. تسمعهم وهم يتنفسون، ترى حُبيبات العرق على وجوههم، تنصت إلى حفيف أقدامهم على الأرض.
لم أستطع، حين تابعت الحلقات الأولى ــ وأعترف بأني توقفت عن القيام بذلك ـ من النسخة الجديدة من &laqascii117o;عشرة عبيد صغار" (التي تعرض حالياً على شاشة &laqascii117o;أم تي في") من أن أمنع نفسي من هذه المقارنة. إذ لا شيء فيه يُمَكّنك من أن تنسى ما هو محفور في ذاكرتك.. لا من حيث طريقة التمثيل، ولا حتى شذرات النص، ولا أيضا &laqascii117o;ألوانه".. الخ. لا أعرف لماذا شعرت بأنني أمام عمل &laqascii117o;هجين"، لا يمتلك أي روح حقيقية يمكنها أن تقودنا إلى المتابعة لغاية آخر الحلقات. لا أتحدث عن الرؤية الإخراجية عامة، إذ نعرف أن &laqascii117o;الريمايك" لا بدّ أن يأتي مختلفاً حاملاً معه رؤية مخالفة. لكن السؤال الذي أجدني أطرحه: أين فعلا الرؤية التي يُراد إيصالها، وما هي؟ غالباً ما أحسست بالتكلّف والتصنع. ثمة هوّة حقيقية تفصلنا عن هذا العمل، لا فقط من حيث الذاكرة والمقارنة، بل من حيث قراءة ما نشاهده أمامنا. بالتأكيد نعرف أن كلّ عمل جديد لا بدّ أن يؤسس لذاكرته الخاصة، المستقبلية، لكن لا أعتقد أن &laqascii117o;عشرة عبيد زغار"، بنسخته الجديدة، يمكنه ذلك، على الأقل في ما شاهدته من حلقات.
في أي حال، &laqascii117o;مسلسل" آخر يمر، ولا يجعلني فعلاً سوى العودة إلى فكرتي الأساسية: من الجميل أحياناً أن تجهل ما يمر أمامنا على الشاشة. ثمة أشياء أجمل في هذا الانسحاب.
المصدر: صحيفة السفير