تلفزيون » وثيقــة لا قانـون

صحيفة السفير
ضحى شمس
في الوقت الذي يمسك المواطن بنفسه وهي تسوّل له، بسبب أداء الشاشات اللبنانية المتدهور، الدعوة الى تأميم الإعلام اللبناني بأسره، والعودة الى زمن احسن احدهم وصفه بزمن &laqascii117o;جاهلية" التلفزيون الرسمي، تقع وثيقة تنظيم البث الفضائي التي وضعها وزراء الإعلام العرب، وهم نموذج من الموظفين الرسميين نحب الظن انه في طريق الانقراض، مجلجلة ببنودها الثلاثة عشر التي وضعها &laqascii117o;خبراء من وزارات الإعلام في العالم العربي"، والتي تبيح للحكومات هامشاً واسعاً للتحكم بالحريات عبر ألفاظ عامة يمكن تفسيرها كما تشاء اللحظة السياسية.
ومع أن إغراء التأميم يبدو قويا، تماما كرغبة اليائس برمي نفسه من علٍ لكي &laqascii117o;يخلص" من شيء يعجز عن تغييره، إلا ان مجرد سؤال النفس الأسئلة الصائبة، سيجعلنا نغادر موقف أعداء حرية التعبير. فصحيح ان ما نراه، يجعلنا نحلم بالتأميم، تماماً كما يحلم الكثيرون بأن يستفيقوا فلا يجدوا إلا الجيش حاكما عسكريا أوحد يرسل مجرمي الحرب المتجددي العذرية، الى بيوتهم، مع سحب غطاء العفو العام عنهم كونهم يكررون ما فعلوا، إلا ان التمعن في اسباب المشكلة التي نعاني منها، اي عشوائية البث الفضائي يردك الى اسباب.. المشكلة.
ففلتان البث الفضائي الخاص، لم يكن قط بسبب جرعة زائدة من &laqascii117o;الحرية" كما توحي &laqascii117o;وثيقة تنظيم البث الفضائي"، لكن في عدم وجود قانون للمرئي والمسموع في كافة بلدان العالم العربي، يواكب هذه الفورة الإعلامية التي تستجيب للعصر ولرغبة السوق. هكذا تتدارك الحكومات تقصيرها في استشراف وقوننة هذه الفورة، بالضرب على الطاولة، من دون ان تعوض ما فاتها عبر وضع قانون. فتستعيض عن ذلك بوثيقة في ما بين الحكومات والدول لمعالجة ما يزعجهم فعليا: التطاول على القادة والتجريح الخ.. أما البلد الوحيد الذي يوجد فيه قانون للمرئي والمسموع، اي لبنان، فهو يوقع وثيقة اضافية مع الاستمرار بالامتناع عن تطبيق القانون، الأصل، الموجود منذ 1994!
لكن لماذا من المهم ان يكون هناك قانون وليس وثيقة &laqascii117o;استرشادية" كما وصفها وزير الاعلام غازي العريضي؟ يعني ذلك ان هناك اصولا للمهنة القيمون عليها هم اهل المهنة والنقابات والقانون. يعني ذلك انه للعاملين فيها حقوقا وواجبات، وأن القضاء، وحده يبت فيها وفقا لقوانين ومصطلحات لا تملي تفسيرها اللحظة السياسية. لقد اخترع العرب أنواعا من التهم الصحافية كـ&laqascii117o;التطاول على المقامات" و&laqascii117o;تعكير صفو العلاقات مع دولة شقيقة" الخ.. اما حين يريدون تطبيق هذه &laqascii117o;المفاهيم التقدمية" مع البلدان الغربية &laqascii117o;الصديقة"، فيجابهون بردود من نوع &laqascii117o;لا سلطة لنا على صحافتنا فهي حرة" او &laqascii117o;قضاؤنا مستقل لا نملك التدخل فيه".
وبغض النظر عن الاسئلة التي يطرحها توقيت هذه الوثيقة عشية الاخطار الكبيرة المحدقة بالمنطقة، والتي تذكر بالضغوط على الصحافة عشية احتلال العراق، إلا ان نصها الذي يخلط، حسب ياسر عبد العزيز احد اهم خبراء الإعلام في العالم العربي، بين ميثاق الشرف وقواعد اطلاق فضائية &laqascii117o;والإرشادات التحريرية ذات الطبيعة المهنية الصرفة" (الموضوع في الاسفل)، لا يغني عن وجوب شرح مصطلحاتها الغائمة (البندان السابع والسادس على الأخص). دون إلغاء السؤال عن معنى التشدد في كل ما يتعلق بالهوية والقيم العربية في بلاد أرادت ان &laqascii117o;تكسر ارجل الفلسطينيين" المحاصرين بين فكي إسرائيل و..الشقيقة مصر. او معنى تفريقها المشكور بين &laqascii117o;حق مقاومة الاحتلال" والإرهاب، في حين ان موقف حكومات اغلب الموقعين ناشطة ضد كل انواع المقاومة ولجرّ لبنان الى تطبيع مجاني مع اسرائيل بحجة &laqascii117o;حب الحياة".
اما في ما يتعلق بلبنان، حيث حرية التعبير تعتبر قيمة تكاد تكون سياحية جاذبة، تماماً كقرب الجبل من البحر، فإن هذا لم يمنع وزير اعلامنا من التوقيع. والأمر &laqascii117o;طبيعي"، فالسعودية خلفها و.. خلفنا. إلا ان وزير الإعلام حاول، كما في كل مرة يكون هناك هجوم على الحريات، ان يميز بين موقفه كشخص وكوزير (مع ان التمييز لا يكون إلا بالاستقالة حين لا يستطيع التعبير عبر وظيفته). هكذا ألقى خطابا &laqascii117o;تعويضياً"، مبرئا الإعلام مما الصق به من تهم التلاعب السياسي مرجعاً المسؤولية في تلك &laqascii117o;التجاوزات" لأهل السياسة انفسهم.
اما الوثيقة نفسها؟ فقد اعتبر العريضي في اتصال مع &laqascii117o;السفير" انه &laqascii117o;ليس فيها اي شيء مخالف لحماية الحريات" خصوصا انها &laqascii117o;غير ملزمة لأحد إن لم تقرها المؤسسات التشريعية في كل بلد". معتبرا انها مجرد &laqascii117o;إعلان مبادئ" والدليل انه &laqascii117o;ليس هناك بعد من آليات لتطبيقها". لكن لا بد من معارضة الوزير العريضي، فالخبير القانوني اللبناني نزار صاغية يشير الى ابتداء غالبية البنود بكلمة &laqascii117o;تلتزم". فإن أضفنا الى ذلك العقوبة الصريحة &laqascii117o;في كل الأحوال" كما نصت الفقرة 3 من البند 12 اي عقوبة سحب الترخيص، فيصبح سؤال &laqascii117o;كيف تكون الوثيقة إعلانا للمبادئ غير ملزم"؟ أكثر من مشروع.
وختاما يمكن القول ان زمن جاهلية التلفزيون الرسمي، بمعنى سيطرة رأي الحكومات الاوحد على الاعلام، قد يعود في زمن التعدد الفضائي. فكما ان &laqascii117o;الأمّية" بما هي انعدام الثقافة قد تلازم أشخاصاً يتقنون أكثر من لغة، فإن التقدم التكنولوجي لا يصنع متحضرين او احرارا. وبعض اعلام لبنان مثال على ذلك، تماما كوثيقة القاهرة.

2008-02-19 15:54:20

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد