تلفزيون » رنا عيد: تصميم الصوت يعني كتابة قصة ثانية للصورة.. ومسلسلاتنا تنبذه

2657rewt_203
- صحيفة 'السفير'
مايسة عواد
لا تستعمل رنا عيد عينيها كفاية، ليس لأنهما تشكوان من خطب، ولكن لأنها تفضل أن تسمع بدقة.. بكثير من الدقة. فإجادة السمع، إن صح التعبير، مهنتها.
عاشت عيد طفولتها في لبنان، وبالتالي أتت الحرب كي تحسم انحيازها للصوت: &laqascii117o;لم أكن أريد أن أرى البشاعة حولي. وعندما كنت أخاف كنت أخبئ أذني لا عيني. أنا وأذناي قصة كبيرة منذ كنت صغيرة" تقول. بعد سنوات كبرت عيد الطفلة وبقي الهوس بالأصوات، وهو ما جعل منها، بعد دراسة الاختصاص السمعي البصري في الجامعة اليسوعية ودراسات عليا في فرنسا، الاسم الوحيد في لبنان العامل في مجال &laqascii117o;تصميم الصوت".
لم تحمل رنا الكاميرا حتى أيام الجامعة، بل سجلت الأصوات وأعادت ابتكار أخرى لترافق كل أفلام ووثائقيات محمد سويد (مثل &laqascii117o;السماء أينما تشاء" و&laqascii117o;بحبك يا وحش")، أعمال هادي زكاك وبعض أفلام غسان سلهب وفيليب عرقتنجي (&laqascii117o;البوسطة" و&laqascii117o;تحت القصف") وأعمال أخرى.
&laqascii117o;كنت أنزعج من الأعمال اللبنانية القديمة حين كنا نسمع أصوات سيارات في الخلفية لا وجود لها في السوق اللبنانية. كما كنت دائماَ أسأل كيف يغيب صوت تخبط دواليب السيارات في الحفر التي ملأت الطرق بعد الحرب. لكن الكل كان مجبوراَ على استيراد المؤثرات من الخارج، ما جعل المشاهد غير واقعية ومعزولة عن المكان".
الكتابة بالصوت
هنا يبدأ سر مهنة عيد مع المؤثرات الصوتية. أول فيلم عملت فيه كان فيلم &laqascii117o;حرب أهلية" مع محمد سويد الذي شكل مع سلهب أهم مشجعيها، كما تقول. بعد التجربة الأولى الناجحة لكن المتطلبة لكثير من البحث والتجارب، كرت سبحة تحديات صعبة كما عند نقل أصوات المدينة في مراحل تاريخية معينة إلى الشاشة، أو إعادة توليد أصوات صعبة من نوع انفجار أو حتى الدوس على صرصار!
تشرح عيد باقتضاب مراحل عملها: &laqascii117o;بعد تسجيل الاصوات والحوارات في الوثائقيات أو الأفلام أو المسلسلات، هناك قصة ثانية تكتب بالصوت. يجب أن نعرف المكان والتوقيت من الصوت لا الصورة. عملي أن أدخل الاصوات المناسبة على المَشاهد. مهنتنا تقتضي أن يبقى المرء في &laqascii117o;كاستينغ" أصوات مستمر، بهذا المعنى تجرّب عيد الأصوات كما يتم تجريب الممثلين.
تعتبر مصممة الصوت اللبنانية الوحيدة على الساحة ان حرب تموز العام 2006 هي من أهم التجارب الصوتية التي عاشتها: &laqascii117o;انقلبت أصوات المدينة. صار الليل نهارا والنهار ليلاً. انقلبت التفاصيل". لكن كيف يترجم هذا عملياً؟ تجيب عيد: &laqascii117o;أصبح مثلاً قادرة على خلق جو متوتر من دون إدخال التأثيرات الهوليوودية، وبلا إدخال صوت القصف وغيره. أستطيع أن أوحي بكم التوتر وحتى في أية ساعة من النهار تدور الأحداث من دون إشارات مباشرة". اللافت أن عيد رفضت رفضاً قاطعاً تسجيل أصوات الانفجارات التي غزت الضاحية في بيروت أثناء الحرب: &laqascii117o;طلب مني كثيرون أن أسجّل، لكني رفضت أن أتاجر على حساب الجثث. بعد إصرار قلت حسناً سأستمع جيداً إلى الانفجارات وسأعيد أنا إنتاجها.. ونجحت". هذه النقطة تأخذنا إلى مسألة أخرى تسمى تقنياً FOLEY، أي الأصوات التي لا تؤخذ مباشرة من المصدر، بل يعاد تسجيلها لتستعمل لاحقاً. لكن كيف أعادت عيد إنتاج أصوات الانفجارات؟: &laqascii117o;اكتشفت أن إغلاق الجارور وفتحه بطريقة معينة يطابق صوت القصف على اختلاف تأثيراته". وكيف خطرت لك المقاربة هذه؟ &laqascii117o;تمرين الأذن" تجزم عيد. هو تمرين ساعدها في تحديات كبيرة، وجعلها &laqascii117o;صاحبة سوابق" في الوسط لكن بالمعنى الجيد للكلمة. ففي فيلم &laqascii117o;أطلال" مع المخرج غسان سلهب، طٌلب منها الايحاء بأن البطل يدوس على صراصير أو أرضية وسخة. والحل؟ جلبت عيد الكثير من المخللات وأشبعتها بالملح &laqascii117o;لما يفقش المخلل بيكون له الصوت نفسه!". أما عند عرض مشهد عظام تُسحن فكان الحل بتسجيل صوت سكين ينغرز في تفاحة ومطابقته! وعندما واجهت عيد معضلة ابتكار صوت لصورة جلد يعود ليكسو هيكلا عظميا، كان خيارها حمل قلم رصاص ومبراة وتدويرهما رويداً رويداً قبل وضع النتيجة على الصورة! تبتعد عيد عن الحلول السهلة وهو أمر بان في أكثر من مناسبة آخرها في فيلم جورج الهاشم (لا يزال ينتظر العرض)، فالفيلم الذي تدور أحداثه العام 1976 احتاج إلى تصميم صوت خاص &laqascii117o;وافق الهاشم على عدم اللجوء إلى أغان من تلك الحقبة وعدم بث مقاطع إخبارية وغيرها، بل التركيز على أصوات المدينة حينها. كان البحث في الارشيف لمعرفة السيارات ونمط الحياة وفترات الهدنة وغيرها متعة بحث حقيقية".
منافسة تركية
إلى جانب تأسيسها استوديو" دي بي" في حرش ثابت مع زوجها، تعلّم عيد حالياً في الجامعة اليسوعية التي تخرجت منها. تشرح انها تحث طلابها على دراسة تصميم الصوت: &laqascii117o;أحس بنقص هائل في هذا المجال". هو نقص مستمر منذ دخولها هي الجامعة العام 1994، حين لم يكن هذا الاختصاص معروفاً جداً بعد.
وبعكس الساحة الخالية في لبنان، تدرك عيد ان هناك منافسة ضروسا لها من البلدان المجاورة كمصر وتركيا: &laqascii117o;الاتراك يعملون بكلفة أقل"، شارحة مع ذلك ان هناك مجالا للعمل في المسلسلات السورية وغيرها، كما تلفت الى ان السينما الاميركية &laqascii117o;بدأت بالانفتاح على المنطقة، وبالتالي هناك مجالات لتعاون على صعيد أوسع".
عند سؤالها عن الاخطاء الشائعة في المسلسلات اللبنانية في مجال تصميم الصوت تقول: &laqascii117o;ما في شي زابط! لا الضوء ولا السيناريو ولا الاضاءة ولا الصوت. كما لو ان الأحداث تدور في اللامكان. لا نسمع أصوات المقاهي ولا الشوارع. في إحدى المرّات رد أحد الممثلين على مكالمة حتى من دون أن يرن الهاتف لأن هناك من نسي إعادة وضع صوت الرنة. المشاهد العادي يعرف ان هناك خطأ ما لكن لا يستطيع توصيفه، المشكلة ان القيمين على المسلسلات يريدون الربح المادي الفوري فقط لا غير".
أما بالنسبة إلى المعدات الرقمية والتجهيزات المعتمدة في الاستوديو، فتلفت الى ان الأجهزة الرقمية لم تعد غالية كما من قبل &laqascii117o;والمهم ان نختار ما نحتاجه وليس كل ما هو موجود في السوق".
تكمل عيد مراقبتها المدينة عبر سمعها المرهف. تتابع أدق التفاصيل أولاً بأول &laqascii117o;منذ مدة لاحظت صوتاً جديداً في المدينة. بعد مراقبة تبين انه ناجم عن لافتات الاعلانات التي تتبدل أتوماتيكياً، وبالطبع أردت تسجيل الصوت". مهمة عزل الصوت هذا عن ضجة الطرق والسيارات صعبة، لكن كما العادة اختارت عيد حلاً راديكالياً: &laqascii117o;قصدتُ ليلاً إحدى اللافتات، تسلقتها ومعي المسجلة الخاصة"، مغامرة كان الشاهد الوحيد عليها أحد عناصر الدرك الذي سارع الى التدخل، أما نحن المشاهدين فسيمر بكل تأكيد صوت أحد اللافتات في وثائقي أو فيلم، لكن قد لا تسمح الثواني القليلة بسبر أغوار مغامرة صغيرة أو ابتكارٍ ما سمح لعيد بالتقاطه بدقة.

2010-04-26 00:00:00

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد