- صحيفة 'السفير' سعدى علوهأمس، لم تكن المرة الأولى التي يختار فيها الزميل مالك مكتبي قضية إنسانية جدّية عنواناً لإحدى حلقات &laqascii117o;أحمر بالخط العريض"... اختار قضية مكتومي القيد، وهي قضية يعاني منها نحو عشرة آلاف لبناني على الأقل، جُرّدوا، مع أوراقهم الثبويتة، من حقوقهم المدنية كافة، من طبابة وتعليم ووظائف وعيش كريم. فهم &laqascii117o;غير موجودين" وليس هناك ما يثبت عكس ذلك...
سبق لمكتبي أن قدّم نفسه عشية إطلاق برنامجه قبل نحو عامين، كإعلامي يطمح لوضع القضايا الاجتماعية على بساط البحث الإعلامي المرئي الجدّي، نظراًَ للضعف الهائل في هذا المجال على الشاشات المحلية. لكن حسابات الحقل، على ما يبدو، اختلفت عن حسابات البيدر، ليتحوّل معد ومقدّم البرنامج إلى &laqascii117o;نجم" الكاميرا الأساسي، بغض النظر عن عمق القضايا المطروحة.
حمل مكتبي إلى &laqascii117o;أحمر بالخط العريض" تجربة ناجحة في الإعداد مع &laqascii117o;كلام الناس" من دون إغفال أنّ التميز نتج أيضاً من فريق عمل متعاون ومتضامن وفقاً لضابط إيقاع معروف. وذلك لا ينفي سعي مكتبي الدؤوب لمقاربة عناوين حسّاسة تحتّم البحث في عمق معالجة المشاكل المطروحة، بعيداً من الجذب الإعلامي.
ربما آن لمكتبي، وبعد كلّ ما مضى من وقت على إطلاق &laqascii117o;أحمر بالخط العريض"، أن يخرج من فكرة أنّها تجربته ألأولى في التقديم. ربما جاء وقت السلاسة والتصالح الفعلي مع الكاميرا، لينسى المقدّم نفسه وينساب بعفوية تتيح الشاشة لأبطال القضية المطروحة، وهم الضيوف الشهود في معظم الحالات. يمكن للزميل مالك الاعتماد على ما مضى من حضوره المقبول على الشاشة ليقول حان وقت الخروج من &laqascii117o;الإيغو" الخاصة، ومن التركيز على الذات بجملة من تعابير الوجه والأداء الجسدي الحركي الاستعراضي. وبذلك احتلّت مبالغة مالك بالاندهاش والاستغراب مساحة على الشاشة أكبر من مساحة الراوين لمعاناتهم أنفسهم.
لا يبخل مكتبي بالإتيان بحالات - شهود عادة ما يصعب العثور عليهم وإقناعهم بالخروج بقصصهم من الخاص وحميميته إلى العام. نحن هنا نتحدّث عن شاشة تلفزيونية، وليس عن شهادات مكتوبة تتيح إخفاء الاسم والصورة، وهذا نجاح يُسجّل له.
لكنّ السؤال هو عن مدى الإفادة من كثافة استحضار حالات من مكتومي القيد على حساب استغلال الوقت للتعمّق في القضية. أولاً تشابهت الحالات فكنا أمام ثلاث أو أربع حالات لمولودين خارج الزواج (غير شرعيين)، وهم فئة من مكتومي القيد وليسوا كلّهم. وحضر أيضا ثلاثة ممَن أهمل أهاليهم تسجيلهم، وأحد الآباء (مصطفى)، الذي أهمل بنفسه تسجيل أولاده، وهو شاهد جيد وضروري.
وأغفل مكتبي على سبيل المثال، تقديم خلفية عن مشكلة مكتومي القيد في لبنان: عددهم وأنواعهم، فهناك على سبيل المثال لا الحصر، مكتومو قيد منذ عام 1932 تاريخ الإحصاء الشهير، الذين يتوارثون الأوراق تاريخياً، والمجنّسون وفقاً للمرسوم 5247 بتاريخ 20 حزيران 1994، وهناك قرى يعاني عدد كبير من أبنائها من فقدان القيد المدني (وادي خالد مثلاً)، كما أنّه في محافظة عكار وحدها حوالى ستة إلى سبعة آلاف مكتوم قيد، ترفض المدارس الرسمية تسجيلهم في صفوفها. والأهم أنّ هناك فرقًا كبيرًا بين فاقد الجنسية اللبنانية ومكتوم القيد، وبذلك لا يمكن إدراج ابن اللبنانية من زوج أجنبي من ضمن فاقدي الأوراق الثبوتية، لأنّ لديه أوراق والده غير اللبناني.
كما أنّ مكتبي، وفي خضمّ تركيزه على إظهار تأثره وعمق الأذى النفسي على مكتوم القيد، أغفل بعض التفاصيل الضرورية لكلّ قصة. لم نعرف مثلاً كيف يسعى أنطوني، مكتوم القيد الذي عثرت عليه العائلة التي ربّته على درج منزلها، لإثبات نسبه إليها، بغير عبارة &laqascii117o;يللي بيعتمد على العذراء والرب ما بيخيب"، فاكتفى مكتبي بالجواب ولم يسأل عن الحلّ والقضية العالقة أمام المحاكم.
وحصل الأمر عينه عندما قوّمت المديرة العامة لوزارة الداخلية بالوكالة سوزان خوري يوحنا الوضع القانوني لبعض مكتومي القيد فقالت بسهولة حصول مصطفى وحسين على الأوراق الرسمية، وشرحت ضرورة إثبات مصطفى المهمل لتسجيل زواجه، واقعة الزواج عينها، فنقلها مكتبي إلى حديث آخر قبل أن تفصل في حالة حسين، ما أوحى بأنّ مصير حالة حسين ليس مهماً، بقدر عرض الحالة نفسها.
و&laqascii117o;أبدع" مكتبي في التفصيل في خصوصية الشهود متجاوزاً الهدف من حضورهم إلى &laqascii117o;السخونة"، وبالتحديد مع منى اليائسة التي تفتّح وعيها على الدنيا وهي تتعرّض إلى الضرب في منزل مخدوميها، ليدخلها في تفاصيل تعرّضها للاغتصاب على الشواطئ وهي طفلة، ومن ثمّ سؤالها إذا كانت قد حملت نتيجة لاغتصابها وماذا فعلت بطفلها، وما إلى ذلك من تشريح لحياتها. طبعاً روت منى ما روته بملء إرادتها، خرجت إلى الشاشة وهي تعي أنّها تعرّض نفسها لمجتمع لا يرحم، ولكن ما هي حدود مسؤولية الإعلامي هنا؟ ويسجّل لمكتبي أنّه منح البعد النفسي وأثره في حياة مكتومي القيد عمقاً قلّ ما يتوقف عنده إعلاميو الشاشة الصغيرة، وإن كان قد تساهل في الجانب القانوني بعض الشيء (لم يكن هناك محام أو قاض في الحلقة). ولكنّه &laqascii117o;منح" خاتمة حلقته لوزير الداخلية زياد بارود، وقدّم &laqascii117o;البيعة" على أنّها محطة مصيرية في حياة ضيوفه، قائلاً لضيوفه &laqascii117o;الوزير المحامي زياد بارود سيستقبلكم في مكتبه واحداً واحداً".
طبعاً لا يخفى على أحد مناصرة بارود لقضايا الناس كناشط مدني فاعل قبل أن يكون وزيرًا، ولكن هل تُحلّ مشاكل مكتومي القيد لمجرد استقبالهم من قبل وزير الداخلية؟ وهل على كلّ مكتوم قيد أن يحظى بزيارة الوزير بارود لتحلّ مشكلته؟.
وليس تقليلاً من مهنية الزميل مكتبي الذي أثبت حضوره وتميّزه في أكثر من حلقة سابقة، بل هو بعض الحرص على تلك المساحة التي يحاول أن يخصّصها لقضايا اجتماعية تفتقد لجدّية المعالجة على شاشاتنا.