تلفزيون » نقاش حول المعلومة المرفهة ـ 3: الخبر خبر.. فكيف يكون؟

- 'السفير'
سحر مندور

يمكن للخبر أن يرد في أشكال عدّة، والتقرير الإخباري الذي يتناول عين التينة والرابية و&laqascii117o;بيت الوسط" يحوي خبراً، تماماً كما يحوي التحقيق خبراً. كلّ ما يقال للناس، عبر شاشة أو صحيفة أو إذاعة، هو خبر. و&laqascii117o;ناشونال جيوغرافيك" &laqascii117o;تخبر"، تماماً كقناة التاريخ، وقناة الطبخ أيضاً تقدّم للمشاهد أخباراً. نوعية الخبر، إن كانت سياسية، أو صحية، أو استكشافية، لا تبدّل في كونه خبراً.
يختلف التقرير الإخباري عن التحقيق، وذلك تصريحٌ بديهي، لكنّهما يلتقيان على قواعد مهنية تجمع بينهما، ومنها ما يصب في صالح هذا النقاش، وتحديداً ما اقتبسه الزميل رياض قبيسي من أقوال الأكاديمية الدنماركية نانس غراهام هولم: &laqascii117o;المطلوب إنتاج عمل تلفزيوني عبر ما توفر من الإبهار من دون المساس بقيمة المعلومة".
&laqascii117o;العمل" التلفزيوني، تحقيقاً كان أو تقريراً أو تلاوةً لخبر في سياق نشرة، يتطلب قدراً من الإبهار في العرض، إذاً.. شرط ألا يشتت هذا الإبهار ونوعيته، مضمون المعلومة. فعندما يتفوّق الإبهار على المضمون، يتذكّر المتفرّج من التحقيق الذي يعرض صورة المحقق قافزاً من مكان ما، وينسى المكان والهدف من القفزة، أي سبب العرض الإخباري أساساً.
في لبنان الإخباري، تكمن إحدى المشكلات الأساسية في كون خبر الشأن العام يرتبط بسياسيين، يستقبلون ويودّعون، يتشاجرون ويتصالحون، ينامون ويستيقظون. وهؤلاء السياسيون يتوزّعون ملكية القنوات التلفزيونية، بحيث تلاحق استقبالاتهم ووداعاتهم، وتنتصر لآرائهم في مشاجراتهم. الخبر اللبناني إذاً مصاب في مصادره. فهو، كما أشار رياض، ناتج عن بيئة محسوبيات وعلاقات عامة. لكن النقاش هنا هو محاولة لخرق جدار السائد، بما يُمكن أن يُبنى عليه لاحقاً.
محاولة، يمكن أن تبدأ بما هو خارج سياق معركة المصير المستمرة، كالتحقيقات التي يتناولها &laqascii117o;الجديد" أحياناً. وذلك جهد خاص، يسعى لتحرير الخبر من قيود الرسميين ليقترب أكثر من المواطن. لكن، لمَ لا ينسحب هذا &laqascii117o;البند المستقل" الذي يُعرض ضمن النشرة على مجمل سياقها، فلا تكتفي الإضافات الخاصة بـ&laqascii117o;اللطشة" حمّالة الرأي، بل تذهب أبعد منها لوضع كلّ خبر في سياقه الاجتماعي، أي: توزيع المسؤوليات بناء على سلم أولويات تفترضه المحطة في صالح المواطن.
وأيضاً، في هذا التحقيق، لا يبقى في أذهان الناس منه أحياناً، إلا الوسيلة المعتمدة في &laqascii117o;الإبهار"، لأنّه اعتمد جسم الصحافي ولغته، ولم ينسحب على مضمون الخبر. &laqascii117o;الخرق" يأتي على مستوى الشكل، في كثير من الأحيان، لا المضمون.
ففي كلّ &laqascii117o;استقبل"، يكمن سبب. والسبب في &laqascii117o;استقبل"، إن تم استقصاؤه وعرضه ضمن سياق، يمكن أن يصبح الخبر. كما يمكن لـ&laqascii117o;لم يستقبل" أن يكون خبراً. وإن اقتصر الاستقبال على الروتين اليومي للسياسيين، يمكن لخبره أن يحلّ في جردة &laqascii117o;استقبالات" سريعة تُعرض في ختام النشرة. هناك حلول كثيرة، لكنّها تحتاج إلى من يبحث عنها، يعرضها، يناقشها، يجرّب فيها. تلفزيون &laqascii117o;الجديد" يخوض في تجربة الجديد، لا يتعامى عن مشكلة الخبر، يعتمد الإبهار لإنقاذه، لكن آليات الإنقاذ تصبح مشكلة خبرها، أحياناً.
إلى مشكلة تحكّم السياسيين بالوسائل الإعلامية، تضاف مشكلة على قدرها من الأهمية، وقد أثارها رياض، وهي سطوة المعلن على هذه الوسائل. وتلك مشكلة عالمية، تعيش آخر فصولها حالياً مؤسسة &laqascii117o;لوموند" الفرنسية، مع حاجتها إلى ضخ رأسمال خاص في المؤسسة التي تعاني من ديون متراكمة. ولبنان يعيش حصته الخانقة من هذه المشكلة.
فالإعلان يتحكّم بناقل الخبر تماماً كما يتحكّم بناقده. والتمرّد على المعلن ليس خياراً في الوضع الراهن. لكن ابتكار الحلول لهذه المعضلة مطلوب، إن لم يكن لإحداث تغيير في الإعلام، فلممارسة مهنة يستمتع المرء في أدائها ويستفيد المشاهد مما تنقله.
الحدود المفروضة عليك وعليّ وعلينا جميعاً لم تدفع بنا إلى خارج المهنة، بل إلى البحث عن وسائل لخلق مساحة خاصة بنا، ننشط ضمنها، بأكبر قدر ممكن من احترام الذات واحترام الناس.
وعندما يتحوّل المذيع إلى نجم، لا يصبّ ذلك بالضرورة في صالح المعلن والبضاعة التي يروّج لها. فجذب العين بقوة المفاجأة في أداء المذيع، يؤدي أيضاً إلى صناعة نجومية، ولو مغايرة. فالنجومية التي انتقدها رياض، لا تُصنع دائماً بالساعة الأنيقة والملابس المكوية بعناية، بل أيضاً بالقميص فوق الجينز، والقفز من عليّ.
ونجومية المذيع قادرة على محو الخبر أحياناً، وتنويم المتفرّج.. لكنها أيضاً قادرة على جذب العين إلى الخبر، بقوة ناقله ومكانته في أذهان الناس.
المذيعون النجوم (عالمياً) يمتلكون مصداقية، وليس فقط طلّة بهية. ولهذه المصداقية القدرة أحياناً على الانتصار للمواطن الأشد فقراً، ولو في زيّ يمزّق نفسه من فرط نجوميته. المشكلة ليست في الأفراد، إن كانوا سياسيين أو تلفزيونيين. المشكلة في الخبر، مهما كانت نوعيته.. وتحديداً، في الجهد المبذول لإبراز معانيه، لا ناقله.
لن يتوقّف السياسي عن التدخل في خبر الصحافي، ولن يتوقّف المعلن عن الاستثمار في قنوات يريدها أن توفّر ظروفا ملائمة لبيع بضاعته. لكن، ألا تعتبر هذه الحدود جزءاً أساسياً من عمل الصحافي والإعلامي اليوم... يلاعبها، يتجرّأ عليها، ويحجز لخبره مساحة، ولو أحياناً، من خارجها؟
السياسيون والمعلنون قادرون على تسطيح الخبر.. وفي المقابل، يمكن للصحافيين والإعلاميين أن يبحثوا عن مخارج، بعيداً عن التشاؤم الذي يؤدّي إلى الخراب.

2010-06-29 00:00:00

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد