- صحيفة "السفير"
ماهر منصور
أبدأ الحديث من ثلاث عبارات أرى أنّها مفتاح أيّ نقاش حول «المعلومة المرفهة» وجدواها والمكان المناسب لإيرادها، وهي عبارات وردت في مقالتين للزميلين سحر مندور («السفير») ورياض قبيسي (تلفزيون «الجديد»). فالأخير اعتبر أنّ التلفزيون «ليس مصدراً أساسياً للمعلومة، بل وسيلة تواصل أحدثت تحوّلاً نوعياً على مستوى انتشار الثقافة الشعبية»، وأنّ «المعلومة المرفهة هي وسيلة لجذب المشاهد لمتابعة المواضيع الجادّة». وترى الزميلة مندور في مقالتها المنشورة يوم السبت الفائت أنّ «المشكلة تبدأ من كيفية تحويل المعلومة إلى خبر سهل الفهم والالتقاط، ومن ثم التفاعل معه.. من دون إلغائه بقوة الترفيه». وفي مقالته، استشهد الزميل قبيسي بمقولة الأكاديمية الدنمركية نانسي غراهام: «المطلوب إنتاج عمل تلفزيوني عبر ما هو متوافر من إبهار، من دون المساس بقيمة المعلومة».
يبدو أنّ صياغة عبارة رابعة تتكئ على العبارات الثلاث، تؤدّي إلى تقديم الوصفة المطلوبة، لكيفية تقديم المعلومة للمشاهد العربي الآن. يمكن القول إنّ «المطلوب اليوم هو استثمار التلفزيون كمصدر شعبي أساسي لتقديم معلومة سهلة الفهم والالتقاط بقالب من الإبهار والترفيه من دون المساس بقيمة المعلومة».
والتدقيق بالعبارة السابقة، وتحديد نقاط التقاطع ما بين رياض وسحر، يشيران إلى أنّ الجدل الأولى بالنقاش هو معنى «الإبهار» و«الترفيه» والذي يبدو هنا كسيف ذي حدين، فإما أن يأخذنا إلى مضمون المعلومة بيسر، أو يلغيها بمبالغته.
وما يجعلني أحصر النقاش بالبحث في تحديد ملامح معنى الإبهار والترفيه المطلوبين، هو حرصي على تحديد المطلوب بكونه وصفة تصلح «الآن» وتستهدف «المشاهد العربي». ما يضعنا أمام ضرورة نقاش لسيكولوجية المشاهد العربي اليوم كمدخل للنقاش حول المعلومة المرفهة.
ولعلي لن أخوض في معنى الإبهار والترفيه المطلوبين، بقدر ما أود أن أنثر حقائق عدة حول الترفيه وتأثيره على المشاهد العربي، كتأكيد على ما دعوت إليه من ضرورة البحث في الترفيه لا إلغائه، في إيصال المعلومة، وأرى أنّ ما سأورده يستحق أن يبنى عليه:
- في 2 أيلول 2004، قال تقرير صدر عن «الهيئة العامة للسينما والفنون الإسرائيلية» بعنوان «الفنانون اللبنانيون... من الفنون إلى ممارسة الأدوار السياسية»، إنّ الفنانات نانسي عجرم وماريا وهيفاء وهبي وغيرهن، يتطاولن على الدولة الإسرائيلية ويشكلن «خطراً مدمّراً» من خلال «أنشطتهن السياسية التي قد يكون لها أثر كبير في العالم العربي بسبب شعبيتهن الواسعة».
- في سوريا، بيّنت دراسة علمية أجراها في شباط 2006 مركز الدراسات والبحوث الشبابية التابع لـ«منظمة اتحاد شبيبة الثورة»، في عملية مسح وتحليل لواقع الشباب السوريين (من 13 إلى 35 سنة) وأهم قضاياهم ومشكلاتهم وطبيعة احتياجاتهم، (شملت 9350 شاباً وشابة، يتوقع تواجدهم ضمن 5000 أسرة)، أنّ التلفزيون يعتبر من أهم وسائل الإعلام والثقافة والاتصال التي أكسبت الشباب غالبية معلوماتهم العامة (نسبة 91 في المئة ممن شملهم البحث). وجاءت الدراما المحلية في مقدّمة الموضوعات التي يتابعها الشباب يومياً وبشكل منتظم، تليها في نسبة المتابعة الأخبار السياسية.
- في الحلقة الأخيرة من برنامج «من سيربح المليون» المخصّصة لمتسابقين من عمال البناء، أجاب أحد المتبارين عن أحد الأسئلة الصعبة بثقة، مؤكّداً أنّ معلوماته مستقاة من مسلسل درامي.. بينما ما زلنا حتى الساعة نرفع أصواتنا بضرورة الإشارة في مقدمات المسلسلات التاريخية إلى أنّ ما سيراه الناس هو رؤية مفترضة على قاعدة أحداث تاريخية وليس قراءة تاريخية موثقة لفترة العمل الزمنية.
ربما تكون الأمثلة السابقة كفيلة بالتأكيد على دور الترفيه في إيصال أي معلومة، والأمثلة السابقة تبدو أيضاً كفيلة بالتأكيد على ضرورة إجراء نقاش جدي حول نوعية الترفيه الذي نختار اعتماده لإيصال المعلومة.
قديماً، قيل إنّ «الغاية تبرر الوسيلة»، وأرى أنّه بضمان تحقيق الغاية، لن يعود هاماً أن أحضر منجماً للحديث عن الطائرة الأثيوبية أو أسمع أغنية لفيروز أمام بحر الكارثة.
يبقى السؤال الهام الذي أتفق مع الزميلة سحر في طرحه هو: هل نشرات الأخبار هي المكان المناسب للمعلومة المرفّهة؟
على مستوى التجربة الشخصية، سبق لي أن كتبت في «السفير» عن تقارير إخبارية قدّمها الزميل رياض قبيسي، ونصحت وقتها بأن يتم تخصيص برنامج خاص لمثل هذه التقارير خارج سياق نشرات الأخبار. وعندها، بلا شك، سنكون أمام برنامج يحتوي على معلومات بكثير من الطرافة والترفيه. وإن لم يتحقق ذلك، فربما من المجدي أن نغض الطرف عن مثل هذه التقارير في نشرة أخبار «الجديد» السياسية، التي لا يبدو أنّ إيرادها الآن هو نقطة ضعف أخبار «الجديد» الوحيدة.
ولعلي أسأل أين هو البرنامج الذي يستوفي شروطا مهنيته كاملة في التلفزيونات العربية كلها؟
إنّنا في زمن مهني بالغ الجميع فيه بوضع قواعده الخاصة لوسيلته الإعلامية، حتى اختلطت علينا أنواع البرامج وضاعت ملامحها.