تلفزيون » «مستشفـى غـزة»: «قــوة الـحيــاة خــلال مـجــزرة كـامـلــة»

-195116527_228 صحيفة "السفير"
رندة جباعي

تناولت أفلام وأقلام كثيرة المجازر التي شهدها مخيما صبرا وشاتيلا في العام 1982، ومجموع المخيمات خلال الحرب عليها ما بين العامين 1985 و1987. شهد كثيرون على الفظائع التي طالت اللاجئين الفلسطينيين في هذه المخيمات، خلال تلك المرحلة، ومعظمها توقف عند «مستشفى غزة»، الموجود في أحد أزقة صبرا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. إلا أن المخرج الإيطالي ماركو باسكويني صنع من قصة هذا المبنى دليلاً لا يقبل الدحض على هول الآلام التي أصابت آلاف الفلسطينيين، وعلى المأساة التي يعيشونها اليوم، وعلى الحرمان من أبسط حقوقهم المعيشية وكرامتهم الإنسانية. فـ«القلعة التي حمت الحيوات المدمرة وآمال الناس الذين يعيشون فيها، وجدرانها المثقوبة بمدافع المقاتلين، تشهد على خسارات الفلسطينيين هناك التي لا تفارقهم»، حسبما يقول. لذلك، أخرج باسكويني الوثائقي «مستشفى غزة»، الذي عرض مساء السبت الماضي في هنغار جمعية «أمم للتوثيق والأبحاث»، من إنتاج شركة «suttvues» الإيطالية، بالاشتراك مع «أمم»، بعد خمس سنوات من العمل المكثف، والتحضيرات والبحث المتواصل والتصوير، ليجعل من مبنى المستشفى شاهداً لا يمر عليه الزمن، «وللحفاظ على ذاكرة هذا المكان».
عشرة طوابق عالية مليئة بالثقوب من جراء رصاص المقاتلين ومدافعهم في تلك الفترة، تتشارك بطولة الفيلم مع شهادات عاملين سابقين خلال «عصر المستشفى الذهبي»، ومع روايات عدد من سكانه الحاليين، فضلاً عن وثائق، كصور الأرشيف، تسرد السيرة الذاتية للمستشفى. فأصبح المكان «مخيماً عمودياً»، على حد تعبير مخرج الفيلم. فيه ممرضة أميركية يهوديّة اسمها إيلين سيغل، ترعرعت في محيطٍ «معظمه يهودي» كما تقول، وتطوّعت للعمل في «مستشفى غزة» في مخيم شاتيلا في بيروت في العام 1980، لنراها في مشهد من الفيلم تصلي بالعبرية على أرواح شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا. أما سوي شاي آنغ فهي طبيبة العظام السنغافورية التي ترعرعت في مجتمع داعم لإسرائيل، نراها في الوثائقي شديدة القلق على مصير المستشفى واللاجئين الفلسطينيين. وعزيزة خالدي هي المديرة السابقة للمستشفى، و«أبو ماهر» هو أحد الشخصيات التي تصور واقع الفلسطيني اليوم، وواقعه في الأمس، بعدما قتل ولده في حرب المخيمات. نتابعه وعائلته بأدق تفاصيل حياتهم، فنرصد معهم الواقع المعيشي الصعب للاجئين في المخيم. ونرى شخصيات ثانوية، تنقل لنا بطريقة أو بأخرى ما يعيشه سكان مستشفى غزة باتخاذهم من «المؤقت» منزلاً ومستقراً. فنمشي مع كل هذه الشخصيات في أزقة صبرا، وفي زوايا المبنى، ليسردوا لنا حكاياتهم عن الموت والفوضى والأمل، ونشعر معهم بأنهم «قوة الحياة خلال مجزرة كاملة»، كما تقول خالدي.
ومع أن عرض الفيلم مساء السبت الماضي تزامن مع فاعليات إحياء الذكرى الثامنة والعشرين لمجازر صبرا وشاتيلا، إلا أن باسكويني لا ينتظر «مناسبة لعرض هذا الوثائقي، إذ أرى فيه مسؤولية أحملها مع المشاركين في العمل، لنقل هذه الذاكرة إلى دول العالم أجمع». فقد جال بالفيلم على مهرجانات دولية عدّة، من ألمانيا إلى روسيا وقطر وإيطاليا وكندا والموزامبيق، وقد حصد جائزة «غولدن غلوب» الإيطالية عن أفضل فيلم وثائقي للعام 2010. وهي المرة الثانية التي يعرض فيها الفيلم في لبنان، بدعوة من جمعية «أمم»، في إطار مقارباتها السينمائية «وجهاً لوجه ما كان»، إلا أن اللافت مساء السبت كان الحضور الكثيف في «الهنغار»، خصوصاً الأجنبي منه، إذ بدوا منفعلين خلال الفيلم وصفقوا طويلاً بعد انتهاء العرض.
بفضل شخصيات الفيلم القوية والحقيقية الحية فيه، وبفضل لقطات الأرشيف التي تعتبر ثروة بحد ذاتها، تضاف إلى البحث العميق في الميدان، يمكن القول إن «مستشفى غزة» هو عمل مميز زادته رونقاً المهارات الفنية لباسكويني. فبدا عمل الكاميرا ساحراً، خصوصاً وهي تنقلنا مع شخصيات الفيلم، وهم يهيمون على وجوههم، في المكان والزمان بين مختلف مظاهر شارع صبرا على مدة أربع وثمانين دقيقة. وقد جعل باسكويني المبنى الذي لا يزال قائماً، فنمر إلى جانبه من دون أن يلفتنا سوى إعلان عن نادي كمال الأجسام، رمزاً للكفاح الذي لا ينتهي ولمعاناة شعب مستمرة.

2010-09-21 00:00:00

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد