
غياب حسني مبارك لم يربك التلفزيون الرسمي كثيراً. تأقلم إعلاميّوه مع الواقع الجديد من خلال نفاق ثنائي: محاباة شباب الثورة والمجلس العسكري!
- صحيفة "الأخبار"محمد خيررغم أنه يعاني غياب إله يعبده بعد خلع الرئيس حسني مبارك، لا يعرف «التلفزيون المصري» الشك: تأسّس في حاضنة الدولة الناصرية، ثم تدرّج بسلاسة واضحة الوجهة مع أنور السادات ثم حسني مبارك. إلا أن غياب «القائد الرمز» للمرة الأولى لم يربك «ماسبيرو» كثيراً، بل في خطوة أولى، بادر المبنى المهيب إلى نفاق ثنائي التوجه: في اتجاه الثورة، والمجلس العسكري معاً!
وحاول أن يعكس الصورة المنتظرة منه في زمن «الثورة الديموقراطية». هكذا لم يكتف بالنزول إلى ميدان التحرير بعد حسم المعركة، بل ها هو ينقل أخبار ثورات الأشقّاء، في اليمن وليبيا والبحرين، ممّا يذكّرنا بلغز قديم رافق مسيرة «التلفزيون المصري». فور وقوع كارثة طبيعية في مصر، تسارع القناة الرسمية إلى نقل أخبار مماثلة من أنحاء العالم، كأنها تحاول أن تقول إن الكوارث الطبيعية موجودة في كل دول العالم كما الفساد. لكن «ماسبيرو» الذي يواجه خزياً أسطورياً مع نجاح «ثورة 25 يناير» لا ينتظر تكوّن النظام الجديد فحسب، ولا يكتفي بالتلوّن مرات عدة يومياً حسب بيانات المجلس العسكري. ها هو يستخدم مفاهيم الإعلام الحر لبثّ الرسائل الخبيثة.
لنتابع كيف يدرك «التلفزيون المصري» مفهوم الحياد الإخباري: شاشة «النيل» للأخبار مقسومة إلى نصفين متساويين مساء الجمعة الماضي. الصورة الأولى لقطة من كاميرا بعيدة، مرتفعة، بالكاد تظهر جزءاً من الحشد المليوني في «جمعة النصر». الصورة الثانية قريبة (زوم) تضخّم مشهد حشد من بضعة آلاف يدعون إلى تكريم الرئيس المخلوع. الصورة الأولى لميدان التحرير، والثانية من ميدان مصطفى محمود في المهندسين. تتوالى الاتصالات التي يبدو أنها غير مراقبة هذه المرة (لماذا تراقب؟ ولمصلحة من؟)، ومعظمها يصب جام غضبه على الرئيس المخلوع وأرامله، بينما يدافع مقدّمو البرنامج عن موقفهم: الحياد والموضوعية يتطلبان نقل الصورتَين، الديموقراطية تشترط «الرأي والرأي الآخر»...
والحق يقال، فمعظم المحطات العالمية نقلت مشاهد من تظاهرة محبّي الرئيس المخلوع، وإن من باب التندر أو التعجب. لكن «ماسبيرو» الذي لم يتغيّر القائمون عليه بعد، نسي أن الموضوعية تتطلب نقل كل حدث بما يناسب حجمه. ونسي أيضاً أن اقتسام الشاشة بين المشهدين بالتساوي هو بحد ذاته رسالة مغلوطة إعلامياً.
النظام القديم ما زال موجوداً رغم إطاحة رموزه. ولا مانع من أن يمارس «ماسبيرو» ـــــ في انتظار ذلك ـــــ مزيداً من الخبث الإعلامي. لكن يبقى مدهشاً كيف تتردد كلمات مثل الحرية، والثورة على شفاه مذيع كان يبث الرعب في نفوس جمهوره قبل أيام. وكيف يدافع الإعلاميون الرسميون فجأة عن الموضوعية، ودقّة الخبر بينما كانت كاميرا «ماسبيرو» الوحيدة في العالم التي لم تدخل ميدان التحرير، وبقيت طوال الأيام التاريخية مسلَّطة على موجات نيلية هادئة.
وأطلّ رئيس قطاع الأخبار عبد اللطيف المناوي مع الإعلامي محمود سعد ليدافع عن نفسه مبرراً عدم دخوله الميدان بمنع الثوار كاميراته. ردّ سعد على الحجة المتهافتة ببساطة: لم يكن شرطاً أن تحمل الكاميرا شارة «التلفزيون المصري». حوارٌ بدا عبثياً إزاء ثورة حظيت بأكبر تغطية في التاريخ عبر كل وسائل التكنولوجيا. لكنه بدا مفهوماً، في ظل مؤسسة لم تكن تدافع عن النظام بل هي جزء منه، وبدت إقالة مسؤولها الأول أنس الفقي شبيهة بإزاحة مبارك نفسه، ففي التلفزيون والرئاسة معاً، أطيح الرأس وبقيت آلاف الأذيال.