تلفزيون » مرافعات بائسة تغرق الشاشة السورية أكثر: «أفادتنا خبيرة التجميل»!

- صحيفة "السفير"
وسيم ابراهيم

ما حصل كان كوميديا سوداء أبطالها الشاشات السورية، لكنها لا يمكن ان تُضحك أيّ سوري بقدر ما تؤلمه. تتحدث مذيعة «الإخبارية السورية» عن عمليات «تزوير» تقوم بها قبيلة فضائيات أخرى، تعددها جميعا. يُعرض تقرير منقول عن «بي بي سي» العربية، باعتباره «ممسكا» على «التزوير»، وهو عن عمليات إهانة وإذلال جماعي، مارستها مجموعة مسلّحة بحق مواطنين عزّل، تم تكبيلهم، ورميهم، ثم داس عليهم مسلحون أفذاذ. شيء مقرف تماما.
القصة أن «الاخبارية» تندد بما سمته «تزويرا». أغضبها أن القنوات الأخرى قامت بنسب الحادثة إلى قوات أمن سورية. تبنّت رواية أن الحادثة تجري في دولة أخرى، وتحدثت عن شهود عراقيين قالوا إن المسلحين من قوات «البشمركة».
لا داعي للقول إن هناك من أغاظه تحليل الإعلام التلفزيوني السوري، فقد تبنته أيضا فضائية «الدنيا» الخاصة والفضائية السورية، وصوّرتا الأماكن نفسها (الديكور) لإثبات أن الحادثة المهينة وقعت فعلا في قرية سورية. لا بل، تم الإتيان بأحد الذين تعرضوا للإهانة، ورفع أمام كاميرا الفيديو هويته السورية. الفيديو الذي نُشر على مواقع التواصل الالكترونية، صوّر زوايا المشهد الأساسي من جديد، وتقمّص مصور الفيديو شخصية المحقق، وكنا وكأننا في مشهد لإعادة تمثيل جريمة.
ليس من السهل، تبني روايات الفيديو، لكن بالإمكان احترام الجهد الذي بذله مصورو الفيديو الإثباتي. كنا لنحترم بالفعل أية محاولة تقوم بها شاشة سورية للتثبّت من صحة الفيديو، لكن لو بذلت جهدا خارج الاستديو وضيوف «التطبيل والتزمير». كنا احترمنا ما ستفعله لو خرجت من سياق «العملية الأمنية»، وذهبت لتقوم بمهمّتها الإعلامية. بانياس ليست بعيدة، وكان بمستطاع مراسل تلفزيوني سوري، الذهاب إليها وسؤال الناس: هل حدث هذا في القرية، من هم الشهود، وما هي التناقضات التي يمكننا رؤيتها عبر كاميرا تصوّر وتنقل «وثيقة مضادة». لكن هذا لم يحصل، وبقي الكلام في حدود الارتجال والمزايدة: «يا عيب الشوم» هذا لا يفعله عناصر أمننا، وهذا لا يقبله مواطن سوري يموت ولا ينذل هذه المذلّة.
الافتراض أن فيديو «المذلّة» صحيح، يجعلنا نتساءل عن المخارج التي يمكن لشاشات سورية أن تسلكها. لقد فظّعت في وصف بشاعة المشهد المصوّر، وهذا مستحقّ، ولكن على أساس أنه ليس في بلدنا. لو ثبتت صحّة الفيديو، هل سنرى مذيعة الاخبارية تعتذر، وتستضيف ضابطا كبيرا في الشرطة، كي لا نقول الأمن، ليشرح للناس، وليعد بمعاقبة المسؤولين؟
حتى الآن لا يبدو أن غرق الشاشات السورية في عدم المصداقية يعنيها في شيء. تخطئ وتمضي وكأنها وحدها في صحراء الرأي العام. مع ذلك، نجد بعض الزملاء تأخذتهم موجة التعاطف مع الشاشة السورية، ربما بعد عرضها صور تشييع الجنود السوريين. إنه مشهد تدمى له القلوب، مثلما تدمى لمشهد المدنيين الذين قتلوا في مدن سورية. لكن هذا لا يستوجب أن نختلق مخرجا عاطفيا للفداحة المهنية التي يظهرها القائمون على شاشة وطنية.
التلفزيون السوري ليس لديه إمكانيات «فضائيات النفط»، هذا صحيح، لكن ما لديه الآن يبرزها جميعا. إنه في سوريا، ومراسلوه منتشرون سلفا في المراكز التلفزيونية والاذاعية في المحافظات، فيما بقية القنوات ممنوعة من التغطية على الأرض. لكنه لزم الاستوديو، ونَعمَ في التعتيم. بدلا من إيفاد مراسليها، فضلت «الاخبارية» استقاء إثباتاتها من فريق عمله في الاستوديو. مذيعتها قالت «أفادتنا خبيرة التجميل» بأن الكدمات، التي تبان على أجساد مجموعة مواطنين في فيديو آخر، هي «مكياجات مكشوفة ومفضوحة». الرواية أيضا قدّمت كقرينة على «تزوير» الفيديو الذي قدّم كدليل على تعذيب مارسته قوى الأمن. لا يمكن تحميل موظفي الاعلام السوري ما ليس في وسعهم، حينما تصير التغطية الإعلامية مسألة أمنية. لكن أضعف الايمان ألا يقابل «التزوير» المزعوم «بتزوير» مهني آخر.

2011-04-19 00:00:00

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد