تلفزيون » مشهدا الجمعة

- صحيفة 'الحياة'
مالك القعقور

تابع العالم الجمعة الماضي مشهدين تلفزيونيين كانا بليغين في تناقضهما وبعد كل منهما عن الآخر، او بالأحرى مشهدين كان واضحاً انه غير مقدّر لهما ان يلتقيا أبداً، كخطين متوازيين.‏ هذان المشهدان اللذان ما كان يمكن للناس معرفتهما ورؤيتهما مباشرة لولا وجود التلفزيون ونقله المباشر، هما:‏ احتفال العائلة المالكة في بريطانيا بزواج الأمير وليام على عروسه كيت ميدلتون من ناحية، والاضطرابات والحركات الاحتجاجية التي تعمّ دولاً عربية بعد ثورتي تونس ومصر من ناحية ثانية.‏ في المشهد الأول في بريطانيا، حيث يقول لنا التاريخ ان الناس دفعوا غالياً ثمن حضارتهم ورقيهم،‏ تنادوا جميعا ليحتفلوا بزواج وريث عرش بلادهم وكلهم فرح وسرور.

ولم تتوقف كاميرات التلفزة، التي كانت حاضرة بالمئات، عن رصد كل هذه الغبطة، وكادت تقصّر في ذلك، على رغم حشدها آلاف العاملين من مراسلين ومصورين وتقنيين، فالمناسبة جديرة بذلك، خصوصاً ان المعنيين كانوا يتوقعون بليوني مشاهد سيتابعون الحدث العالمي عبر الشاشات الصغيرة والإنترنت في انحاء العالم.

اما الحدث الثاني، فهنا، وفحواه خروج ملايين الناس من مدن وأوطان عربية ليقولوا للحاكم القابع على أنفاسهم منذ عقود: أعطنا حقنا بالحرية وارحل.‏ لكنه، بدلاً من ان يطيع شعبه وينفذ إرادته بما يحفظ شيئاً من كرامته ودماء ابناء وطنه، نراه يرسل جيوشه ودباباته لقتلهم وقمعهم،‏ في الوقت الذي لا يسمح لوسائل الاعلام بأن تقوم بعملها، ويرغم الاعلاميين على الاستقالة من وظائفهم والانضمام الى صفوف العاطلين عن العمل بالتالي المطالبين بالحرية والعدالة.

مشهدان يشكلان جزءاً من التاريخ. ونعرف جميعاً ان المواطن العربي، بفضل التلفزة وبفضل اكثر الأجهزة ديموقراطية في العالم، الريموت كونترول، رأى المشهدين معاً، وربما في آن.

واذا كان هدف المشاهد العربي العادي من متابعة الحدث البريطاني ينبع من فضوله وحبه للمعرفة، وربما من متعة رؤية مَشاهد واقعية كان يظن أنها غير موجودة الا في الأفلام،‏ فما هو هدف الحاكم العربي من مشاهدة هذا الحدث؟ وبماذا شعر الحاكم حين رأى الملايين تخرح في بريطانيا لتفرح بزواج حاكمها،‏ بينما يخرج الملايين من ابناء شعبه مستغلين فرصة التجمع لصلاة الجمعة ليقولوا له: ارحل؟ وهل يراود الحاكمَ الشعورُ نفسه تجاه وسائل الاعلام حين توفّر له من ناحية ما يمتع به ناظريه من بلاد غير بلده، ومن ناحية أخرى ما يصدمه، إذ يأتي على الضد من إرادته في بلاده؟ ام ان متعته الوحيدة تكمن في كمّ أفواه الناس والإعلام؟

2011-05-03 00:00:00

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد