&laqascii117o;الأخبار" في كواليس التلفزيون السوري

قرّر النظام دخول &laqascii117o;المعركة الإعلامية"، مراهناً على ٥٠ سنة من البروباغندا. كيف تبدو الصورة من استوديوهات التلفزيون الرسمي في دمشق؟ زيارة خاطفة للكواليس
- صحيفة 'الأخبار'
صباح أيوب
دمشق | صور بالأسود والأبيض لدريد لحام ونهاد قلعي وسميرة توفيق ووديع الصافي وغيرهم ممن مرّوا على استوديوهات التلفزيون السوري ترافقك منذ الدرج الأول عند المدخل. صور من عقد الستينيات تقول الكثير عن تاريخ التلفزيون الرسمي، فتبعث فيك بعض الحنين. لكن سرعان ما يراودك سؤال عقلاني لدى زيارة ذلك المبنى الضخم الذي يتوسط ساحة الأمويين في دمشق: هل ما زال أداء التلفزيون ستينياً تماماً كديكوره الداخلي؟
لا يمكن الجزم الآن سوى بدور إعلامي ناقص وتقصير مهني على صعيد التغطية والسياسة التحريرية خصوصاً مع بداية الاحتجاجات في البلد. &laqascii117o;إنّه دور ترويجي للنظام وسياساته"، الكل يُجمع على ذلك، حتى القيمون على التلفزيون. لكن حسّاً تطويرياً في الشكل والمضمون يوحي به بعض المديرين الشباب الذين يتحرّكون مدفوعين بنفَس تغييري وسط بيروقراطية خانقة وتَرِكة ستينيّة مكبّلة.
منذ بداية الاحتجاجات في سوريا، توجهت الأنظار الى &laqascii117o;الإعلام الرسمي" خصوصاً مع التضييق الذي يمارسه النظام على المحطات الفضائية العربية والأجنبية. التلفزيون السوري أدرك متأخراً أنّ عليه الانتقال الى مستوى آخر من بروباغندا الحرب، إذ بدا كمن نبش على عجل الأدوات الدعائية القديمة عندما قرر ممارسة النكران وتغييب نفسه عن الأحداث، واعتماد سياسة تجاهل الواقع في استراتيجية أولية. تغيير لوحظ في أدائه مع ارتفاع وتيرة الاحتجاجات، خصوصاً مع تغطيته بعض التظاهرات.
كيف يعمل التلفزيون السوري إذاً في خضمّ الأحداث السياسية والأمنية؟ من هم القيّمون على أخباره وصورته وأجندته اليومية؟ كيف تبدو وتيرة العمل في كواليس استوديوهاته؟ حاولنا اكتشاف ذلك خلال ساعات قليلة سُمح لنا بتمضيتها داخل المركز الإخباري في يوم &laqascii117o;جمعة الغضب" الأسبوع الماضي.
خمسة من أصل ١٢ مراسلاً صحافياً في العاصمة السورية أُرسلوا مع المصوّرين الى بعض المناطق والأحياء الدمشقية حيث كان يُتوقع حصول تحركات في ذاك اليوم. &laqascii117o;قررنا تغطية تظاهرات المعارضة وعرضها على الهواء" يشير مدير الأخبار المصورة غالب فارس وهو يهرول بين طبقات المركز واستوديو الأخبار وغرفة الكونترول. المركز مجهّز بتقينات فنيّة حديثة، فيما يلفتك طغيان العنصر الشاب في مختلف أقسام التلفزيون.
المدير الثلاثيني لا يمكث في مكتبه إلا للحظات. خطوط هواتفه الأربعة لا تنفك ترنّ: اتصال من أحد المراسلين يطلب كاميرا إضافية وبعض التجهيزات خصوصاً مع تدهور الأحوال الجوية فجأة، واتصال آخر من غرفة الكونترول، واتصال من وزير الإعلام يتفقد مسار الأعمال، واتصالات بالجملة للسؤال عن سبب اختفاء صورة القناة مع اشتداد العاصفة.
نصف ساعة تفصلنا عن نشرة الثانية والنصف الأساسية. يتجمّع بعض المسؤولين فوراً في مكتب مدير الأخبار، حان موعد اجتماع أعضاء &laqascii117o;خليّة الأزمة". الخلية تلك تألّفت منذ بداية الاحتجاجات، وأعضاؤها هم: المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون معن حيدر، ومديرة التلفزيون ريم حداد، ومديرو تحرير الأقسام ومديرو المراكز والدوائر. وهم يجتمعون يومياً ليقرروا خطوط العمل العريضة وينسّقوا عناوين النشرات الأساسية وتقاريرها. طبعاً، لم يسمح لنا بحضور الاجتماع.
في هذه الأثناء، تعجّ غرفة الكونترول بالمراسلين والتقنيين. إنّها ذروة الضغط قبل تسليم الهواء. مخرج النشرة ومديرة الكونترول ينسّقان كيفية تقسيم الفقرات والصور بين المراسلين الميدانيين، في مواكبة للخطوة التي &laqascii117o;يتباهى" بها الجميع وهي التغطية المباشرة بالصوت والصورة من المناطق. تنبّه إحداهنّ مذيعي النشرة إلى أنهما سيتحدثان مع بعض المواطنين من المناطق في اتصالات هاتفية مباشرة: &laqascii117o;اسأليهم عن الأجواء عندهم ودعيهم يتكلّموا" تصل آخر التعليمات الى مذيعة النشرة. الأخبار التي كتبها المحرّر الصحافي ومُنتجت على جهازه مباشرة، تنتقل الى رئيس التحرير ثم الى رئيس الإدارة، فمدير الأخبار فقسم المونتاج والغرافيكس لوضع اللمسات الأخيرة. دورة ماراتونية تُثقل العمل وتعمّم أسلوباً واحداً على التقارير، وتزيد من ضغط الدقائق الأخيرة.
أجواء غرفة الكونترول لا تزال مكتظة قبل أربع دقائق من بدء النشرة. تعديل في الصياغة هنا، وإضافة معلومة مستجدة هناك. مقدِّمة النشرة تظهر على القارئ الإلكتروني فيما يعلو صوت خارج الغرفة: &laqascii117o;لا يمكنك أن تسأل الناس عن رأيهم في الانشقاقات التي تحصل في الجيش" يتوجّه أحد مسؤولي التحرير الى المراسل الشاب الذي يكرّر بانفعال: &laqascii117o;قلت إنها شائعات ومجرد أقاويل... والإجابات كانت جيدة!". يبدو أنّ عملاً كثيراً ينتظر التلفزيون السوري!
صراع أجيال...
zoom
صباح أيوبانقسام واضح يعانيه التلفزيون الرسمي السوري حالياً، وسببه الصراع بين الجيل القديم والصحافيين الجدد. بعد لقاءات مع بعض القيّمين على التلفزيون، تخرج بانطباع أنّ تغييراً إيجابياً يلوح في الأفق. ويتعزّز هذا الانطباع مع وزير الإعلام الجديد الشاب عدنان محمود، وهو أول وزير يأتي من خلفية إعلامية. الوزير الذي كان مدير وكالة الأنباء السورية، يدرك أن الحمل ثقيل، لكنّ السياسة لا تغيب عن حديثه، فهو مؤمن بأن &laqascii117o;حرباً إعلامية" تشنّ على بلاده بموازاة الحرب السياسية.
أما الرؤية الإعلامية الاستراتيجية، فتفسرها مديرة التلفزيون ريم حداد. الشابة التي عاشت فترة طويلة من حياتها بين لندن وقبرص، تحمل الكثير من المشاريع للتلفزيون، لكن معظمها لم يترجم على الشاشة، واللوم يلقيه بعضهم على حداد نفسها والسياسة التي تعتمدها في إدارة التلفزيون منذ تعيينها في منصبها قبل عام.
&laqascii117o;كمن كان يهمّ بالنهوض وأُجبر فجأة على الوقوف سريعاً"، هكذا تصف حداد وضع التلفزيون الحالي. تجيب بثقة بأنّ فريق العمل كان &laqascii117o;مستعداً لمواكبة المستجدات، خصوصاً بعدما خضع العاملون لدورات تدريبية على تقنيات الإعلام الحديث في مؤسسات عربية وعالمية". ورغم سياسة النكران التي مارسها التلفزيون تجاه الاحتجاجات، ما زالت حداد تركّز على الحرص على &laqascii117o;الصدقية في مصادر الأخبار". بل إنّ الشابّة التي تتواصل مع الإعلام الغربي يومياً، لا تعارض &laqascii117o;دخول الصحافيين الأجانب لتغطية الأحداث على مسؤوليتهم الشخصية" رغم عدم رضاها عن &laqascii117o;تسييس العمل الإعلامي في الفضائيات". وتضيف &laqascii117o;بصفتنا تلفزيوناً تابعاً للدولة، تهمّنا طمأنة الناس. لذا نركّز على قضاياهم وهمومهم المعيشية والاجتماعية اليومية في هذه الفترة الحساسة. أما الأمان والاستقرار فسندافع عنهما بأسناننا".
يفاجئك مدير الأخبار المصورة غالب فارس بأفكاره التغييرية &laqascii117o;الثورية" مقارنة بالعقلية الكلاسيكية السائدة: تغيير اللغة الإعلامية والصورة والغرافيكس والديكور والموسيقى... هو ضمن خطته التي باشر بتنفيذها &laqascii117o;لأن المشاهد السوري يستأهل أن نقدّم له صورة إعلامية متطورة تناسب متطلبات العصر".