تلفزيون » شارع الأحزان البريطاني قبلة الشاشات

1307108819978824800_323- صحيفة 'الحياة'
محمد موسى

اذا كانت المصادفات والجغرافيا، جعلت الطريق الوحيد الذي يصل احدى قواعد الطيران البريطانية بأقرب الطرق السريعة، يمر من خلال مدينة ويتين باسيت البريطانية الوادعة، فإن ما شهدته المدينة بعدها، وخلال الخمس سنوات الاخيرة، هو قصة انسانية خالصة، لمست شغاف قلوب، في بريطانيا وحول العالم. فلم يكن اي من سكان المدينة الصغيرة يتوقع يوماً، ان تُذكر مدينتهم في احدى خطب الرئيس الاميركي باراك اوباما، وان تصبح ويتين باسيت موضوع تقارير اخبارية في قنوات تلفزيونية حول العالم، ليس بسبب فعل غير عادي او خارق بحسب المفاهيم المعاصرة المتداولة، وانما بسبب استجابة عاطفية لسكان المدينة على فداحة الموت الذي تجلبه الحروب.

القصة بدأت قبل خمس سنوات تقريباً، عندما بدأت جثث الجنود البريطانيين من حربي العراق وافغانستان، بالوصول الى القاعدة الجوية العسكرية. ولأن طريق القاعدة الوحيد يمر بهذه المدينة الصغيرة، بدأ سكان الاخيرة بالتجمع على جانبي الشارع الرئيسي لتحية النعوش. هذا التحرك العاطفي العفوي، سرعان ما جذب حشوداً من المدن الصغيرة المجاورة، ليكبر عدد الجمهور مع كل جنازة جديدة. الامر الذي لفت الاعلام البريطاني، فسلط الاهتمام اليه، حتى ان بعض عائلات الجنود القتلى انفسهم، فضل ان يكون مع سكان المدينة، عند استلامه جثث ابنائه، كامتنان عميق للموقف الذي لم يخطط له احد.

واذا كان بعض سكان المدينة، اشتكى خلال السنوات الثلاث الاخيرة من اهتمام الاعلام الكبير، ومع كل جنازة جديدة، تعبر الشارع، وكيف ان هذا الاهتمام يعكر الحزن والصمت الذي يليق بالجنازات، الا انهم سلموا انفسهم أخيراً لكاميرا المخرج الاميركي هنري سنجير الذي انجز فيلماً تسجيلياً مؤثراً كثيراً،عرضته اخيراً شاشة قناة &laqascii117o;بي بي سي" الاولى، وحمل عنوان &laqascii117o;المدينة التي تتذكر".

فالمخرج رافق مجموعة من سكان المدينة، وخلال يوم واحد، وهم يستعدون لاستقبال جندي ارلندي قتل في افغانستان. يبدأ الفيلم من صباح يوم الجنازة، ليحاور المخرج بعض الوجوه التي صارت معروفة بنشاطها في تنظيم الجمهور، ومساعدة عائلة الجندي المقتول ساعة وصولها، اضافة الى ارشاد الغرباء الآتين من مدن اخرى.

من اللقاءات في الفيلم، حوار مع صاحبة الحانة الوحيدة في الشارع الرئيسي، والتي كانت تعد الفطائر، لتقدمها الى عائلة الجندي الراحل عند وصولها. هذا اللقاء مثل الحوارات الاخرى التي قدمها الفيلم مع سكان المدينة، لا يتجه الى وجهات سياسية، رافضة للحرب، فالكلمات تبقى خافتة، حزينة، مشغولة بالخسارة التي لا تعوض لحياة شباب، لم تتجاوز غالبيتهم الخامسة والعشرين.

كذلك يقدم الفيلم، شخصيتين من جيل يكاد ان يختفي تماماً، مسنين خدم احدهما في الحرب العالمية الثانية، يجمع منذ سنوات قصاصات الورق التي يضعها الناس مع باقات الزهور في الساحة العامة في المدينة، حيث تقف سيارات الجنازات لدقائق، خوفاً عليها من التلف والضياع. شهد البريطاني المسن الآخر اثار مقتل أخيه في الحرب الكورية في الخمسينات من القرن العشرين على عائلته الصغيرة. تستعيد الشخصيتان تقاليد الحزن في بريطانيا قبل عقود، ثم يفصحان عن خيبة لأن الحروب التي ظنوا انها ذهبت الى غير رجعة، هي اليوم على ابواب بيوتهم مجدداً.

عندما تصل جنازة الى المدينة، يخيم الصمت. تمر كاميرا المخرج على الوجوه التي صرنا نعرف بعضها قليلاً، تبقى بعيدة قليلاً عن عائلة الجندي الراحل، تبقى مسافة الاحترام لخصوصية اللحظات التي تمر بها العائلة. ينتهي الفيلم بالجندي العجوز وهو يرفع البطاقات الخاصة التي وضعها الناس مع باقات الورد. يلتفت الى الكاميرا، يقول بصوت متهدج: &laqascii117o;اتمنى ان تكون هذه هي الاخيرة التي اجمعها". هي ربما ستكون الاخيرة، فالحكومة البريطانية قررت لاسباب عسكرية خاصة، اغلاق القاعدة العسكرية في نهاية هذا العام. هذا سينقل الاهتمام الى قاعدة جوية اخرى ومنطقة اخرى، وربما قصص اخرى تشبه قصة مدينة ويتين باسيت.

2011-06-04 00:00:00

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد