مقابلات » غلن غرينوالد لـ السفير: من الصعب إخفاء الحقيقة

 

glan_300

 

سناء الخوري
غلن غرينوالد ما بعد العدوان الأخير على غزّة، يختلف عمّا كانه من قبل. لم تكن الحرب الأخيرة منعطفاً في مسيرة الصحافي الأميركي المهنيّة، بل جزء من سياق، بدأ منذ 5 حزيران/ يونيو 2013، حين نشر غرينوالد أوّل مقابلة له مع المحلّل السابق لدى &laqascii117o;وكالة الأمن القومي الأميركية" إدوارد سنودن، في صحيفة &laqascii117o;ذا غارديان" البريطانيّة. كانت تلك اللحظة مفصليّة في مسيرة غرينوالد، المحامي والناشط والصحافي، إذ تبيّن انّه يستحوذ على مجموعة من أخطر الوثائق السريّة في تاريخ الولايات المتحدة.
كشفت وثائق سنودن قيام الاستخبارات الأميركيّة بالتجسّس على الهواتف والإنترنت، وعلى رسائل مستخدمي مواقع التواصل من خلال نظام &laqascii117o;بريسم"، إلى جانب تجسسها على هواتف مسؤولين في دول حليفة، منها ألمانيا. وما خفي من تلك الوثائق أكثر ممّا ظهر حتى الآن، إذ إنّ تفاصيلها تتكشّف يوماً بعد يوم.
قبل عام تقريباً، حقّق غرينوالد، ما يمكن وصفه، من دون مبالغة، بأهمّ سبق صحافي في التاريخ، متفوّقاً به على الصحافيين بوب وودورد وكارل برنستاين، اللذين فجّرا فضيحة &laqascii117o;ووتر غايت" على صفحات &laqascii117o;ذا واشنطن بوست" مطلع السبعينيات. أدّت الفضيحة إلى استقالة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون (9 آب/ أغسطس 1974)، وإلى تكريس مدرسة وودورد/ برنستاين في الصحافة الاستقصائيّة، كنمط بقي مسيطراً على الصحف الأميركيّة لسنوات.
لم تؤدِّ فضيحة سنودن إلى استقالة الرئيس الأميركي باراك أوباما. ولكن لو افترضنا أنّ أوباما استقال فعلاً عقب تلك التسريبات، فإنّ ذلك كان ليعدّ مجرّد تفصيل صغير، أمام هول الزلزال الذي أحدثته. بيّنت الوثائق أنّنا نعيش في عالم، يشبه ذلك الذي تنبأ به جورج أورويل في روايته &laqascii117o;1984" الصادرة في العام 1949. كلّ تفاصيل حياتنا خاضعة لرقابة &laqascii117o;الأخ الأكبر". عيونه مزروعة في كلّ مكان، في بريدنا الالكتروني، داخل محادثاتنا الخاصّة على &laqascii117o;فايسبوك"، خلف شاشات هواتفنا المحمولة. وفي حين أظهرت تسريبات تشلسي ماننغ عبر &laqascii117o;ويكيليكس" في العام 2010، مكائد السفارات الأميركيّة حول العالم، وأسرار التعذيب في سجون &laqascii117o;العمّ سام"، وسجلات حروب العراق وأفغانستان. بيّنت تسريبات سنودن، أنّه على البشرية إعادة تعريف مصطلح &laqascii117o;خصوصيّة"، وأنّ الخيال الهوليوودي حول نفوذ الـ&laqascii117o;سي آي إيه"، هو أقلّ &laqascii117o;إبداعاً" بكثير ممّا يجري في الواقع، داخل دهاليز ذلك الجهاز.
إلى جانب تأثيراتها السياسيّة، أدّت فضيحة سنودن إلى انقلابات عدّة في صناعة الإعلام، وفي أداء مهنة الصحافة. فبعدما مهّد 'ويكيليس' لصعود صحافة البيانات (data)، جاء غرينوالد وزملاؤه في مجلّة 'ذا انترسبت' الالكترونيّة، ليسدّدوا ضربة قاضية للتيّار السائد في الإعلام الغربي. وذلك ما تبلور بشكله الأوضح، خلال المواكبة الإعلاميّة للعدوان الإسرائيلي على غزّة، خلال الأسابيع الماضية.
حوّل غرينوالد حسابه على 'تويتر' إلى مساحة لتفنيد الأكاذيب السائدة في القنوات الأميركيّة المنحازة لـ'إسرائيل'.
ساهم ذلك، نظراً لشهرة غرينوالد ومصداقيّته، في خلق تيّار مساند للفلسطينيين على مواقع التواصل، وفي بعض وسائل الإعلام الأميركية. خلال الحرب، كتب غرينوالد مقالةً بعنوان: &laqascii117o;الإرهاب الإسرائيلي في الهجوم على غزّة"، وكان أوّل من كشف إقصاء قناة &laqascii117o;أن بي سي" لمراسلها أيمن محي الدين عن التغطية من داخل القطاع، بسبب تعاطفه مع الفلسطينيين... كما نشر قبل أيّام وثائق جديدة، تبيّن العلاقة الوطيدة بين الاستخبارات الأميركيّة والإسرائيليّة، في كلّ الحروب التي يشنّها جيش الاحتلال.
&laqascii117o;السوشل ميديا" تصنع الفرق
إذًا، كان غلن غرينوالد قبل العدوان على غزّة أشهر صحافي على الكوكب، والوجه الأبرز في مدرسة صحافيّة استقصائية جديدة بدأت تتشكّل، وتقوم على استخدام الوثائق لفضح أكاذيب &laqascii117o;المصادر الرسميّة"، على الإنترنت، في مواجهة تضليل الإعلام التقليدي. وبعد العدوان على غزّة، بقي غرينوالد أشهر صحافي على الكوكب، والوجه الأبرز في تلك المدرسة الصحافيّة الجديدة، لكنّه أصبح، بالإضافة إلى كلّ ذلك، أحد أبرز المؤثّرين في فرض الرواية غير المنحازة لـ&laqascii117o;إسرائيل" على الإعلام الغربي.
في اتصال هاتفيّ مع &laqascii117o;السفير" من منزله في مدينة ريو دي جانيرو البرازيليّة، يقول غرينوالد: &laqascii117o;بشكل عام، ينحاز الإعلام الأميركي لإسرائيل، أكثر من الإعلام الإسرائيلي نفسه. لا يعرض أيّ شيء عن معاناة الفلسطينيين، أو اللبنانيين، أو أيّ شعب يقوم الإسرائيليون بالاعتداء عليه. يتمّ دوماً سرد الأحداث من وجهة النظر الإسرائيلية، وأعتقد أنّ ذلك اختلف قليلاً في الحرب الأخيرة، وذلك فقط لأنّ القتل والعنف والمعاناة في غزّة، بلغت حدوداً قصوى، بحيث كان من الصعب إخفاؤها".
يرى غرينوالد أنّ &laqascii117o;فورة السوشل ميديا، وتوافر الصور عبر الهواتف المحمولة، وإمكانيّة تصوير أشرطة فيديو، صنعت فرقاً كبيراً في هذه الحرب. صار بالإمكان عرض حقيقة ما يفعله الإسرائيليون، من خلال مصادر غير تقليديّة، ما شكّل وسيلة ضغط على الإعلام الأميركي الذي لم يعد قادراً على إخفاء ما يحدث. صحيح أنّ الإسرائيليين يتمتعون بنفوذ كبير في الولايات المتحدة، ما يجعل الأمور صعبة، لكن أعتقد أن العالم بات يرى غزة وإسرائيل بطريقة مختلفة الآن". يضيف: &laqascii117o;نبّهت السوشل ميديا أناساً كثرا إلى حقيقة ما يجري على الأرض، وغيّرت موازين القوى، بمعنى أنّها حدّدت من يمتلك السطوة الكبرى في التغطية الإعلاميّة للحرب، ما جعل وسائل الإعلام حول العالم أكثر انفتاحاً على مصادر المعلومات الجديدة، وأعتقد أنّ ذلك أحدث فرقاً كبيراً في التغطية".
من يتابع غرينوالد على &laqascii117o;تويتر" يلاحظ أنّه خصّص الجزء الأكبر من تغريداته خلال الأسابيع الماضية، للتذكير بأنّ الجرائم المرتبكة في غزّة، لا يجب أن تمرّ مرور الكرام. يعود ذلك إلى قناعته بضرورة كسر صور نمطيّة عدّة في التيّار الإعلامي السائد عالمياً، أبرزها أنّ حياة الإسرائيليين أهمّ من حياة الفلسطينيين. &laqascii117o;في الإعلام الغربيّ، يتماهون بشكل كبير مع &laqascii117o;إسرائيل"، وينظرون بدونيّة إلى المسلمين أو الفلسطينيين. يعتبرونهم إرهابيين، ويستحقّون ما يحصل لهم. على سبيل المثال، نشرت &laqascii117o;نيويورك تايمز" قبل سنة، مقالاً أثار جدلاً واسعاً، إذ كتبت إحدى الصحافيّات انّها تشعر بأنّ الأمهات الفلسطينيات يختبرن الحداد على أولادهنّ، بشكل أقلّ من الأمهات الإسرائيليات أو الغربيات". برأيه، فإنّ النمط السائد في الإعلام كان يساهم في ترسيخ صورة غير إنسانيّة عن الفلسطينيين. &laqascii117o;الإعلام الغربي والأميركي منحاز نعم، ولكن أعتقد أنّ الأمر يتغيّر، فالحقيقة قويّة جداً، ومن الصعب إخفاؤها. لا أحد لديه ضمير قادر على تبرير صور الدمار، وقتل الأطفال بأبشع الطرق".
صحافة الاعتراض
بالرغم من أنّ الإعلام التقليدي ما زال يحتفظ بتأثيره وسطوته على الرأي العام الأميركي، إلا أنّ الإعلام البديل بدأ يحدث خروقاً جديّة. وذلك ما يطمح إلى ترسيخه فريق مجلّة &laqascii117o;ذا انترسبت" التي أسسها غرينوالد مع شركائه في كشف وثائق سنودن: المخرجة والصحافية لورا بويتراس، والصحافي الاستقصائي الشهير جيريمي سكايهل. المجلّة هي الإصدار الأوّل ضمن شبكة &laqascii117o;فيرست لوك ميديا" التي يمتلكها رجل الأعمال الأميركي بيار أوميديار، صاحب موقع &laqascii117o;إيباي". يطمح أوميديار إلى خلق نموذج جديد من العمل الصحافي، لذلك تعاون على وضع الحجر الأوّل من مشروعه، مع غرينوالد وزملائه. اسم مجلّة &laqascii117o;ذا انترسبت" يختصر التوجّه الذي اختاره الفريق، إذ إنّه يعني &laqascii117o;الاعتراض"... الاعتراض بشكل أساسي على سياسة التضليل الممنهج في الإعلام التقليدي.
ترك غرينوالد &laqascii117o;ذا غارديان" لينضمّ إلى المؤسسة الناشئة التي بدأت عملها في شباط/ فبراير الماضي، بنشر المزيد من وثائق سنودن. وباتت &laqascii117o;ذا انترسبت" تسبّب مصدر قلق للسلطات الأميركيّة، إذ تفرّدت عند صدورها مثلاً، بنشر أوّل صورة لمقرّ &laqascii117o;وكالة الأمن القومي الأميركيّة" حيث تجري جميع عمليّات التجسس.
عن المجلّة، يقول غرينوالد لـ&laqascii117o;السفير": &laqascii117o;ما زلنا في مرحلة البناء، فقد صدرنا في توقيت مبكّر، مقارنةً بالوقت الذي كنّا نحتاجه لإتمام كلّ استعداداتنا. لكننا كنا بحاجة إلى منصّة لنشر ما بقي من تقارير سنودن، لذلك أطلقنا المجلّة قبل الموعد. نحن الآن في مرحلة تأسيسيّة، ونحاول البحث عن الطريقة المثلى لإدارة الأمور، وكيفيّة تنظيم النشر، وكيف نكون كمؤسسة إعلاميّة أكثر استقلاليّة، وشجاعة، كيف نوسّع مساحة النقد للحكومة الأميركيّة". برأيه، فإنّ أبرز ما يميّز عمل &laqascii117o;ذا انترسبت"، هو عدم اعتمادها على المصادر التقليديّة التي يعتمد عليها الإعلام الأميركي، &laqascii117o;مثل الحكومة والجيش مثلا. على العكس، نحن نعطي مساحة لأصوات أخرى، كي تقدّم مقاربات أخرى لما يحدث".
رغم أهميّة المعلومات التي تكشفها الوثائق المنشورة عبر &laqascii117o;ذا انترسبت"، إلا أنّها لم تؤثّر في شكل ملموس على السياسة الأميركيّة الخارجيّة. يقول غرينوالد في هذا السياق: &laqascii117o;معظم النوّاب في الكونغرس الأميركي، يخافون اتخاذ أيّ موقف كان تجاه سرائيل غير الدعم الكامل. فطوال السنوات الماضية، كان الداعمون لإسرائيل يتمتعون بنفوذ سياسي أكثر إبداعاً، من أولئك المناهضين لها. وأعتقد أن ذلك الواقع لا يزال قائماً، رغم أنّه تغيّر نسبياً. أعتقد أن المسألة تكمن في مكان آخر، إذ إنّ الرأي العام بدأ يطرح الأسئلة، ويحاول أن يعرف لماذا تأخذ حكومتنا هذا الموقف العدائي، وهل ذلك الصراع بين قوى خارجيّة، هو فعلاً في مصلحة الشعب الأميركي، أم في مصلحة طموحات الحكومة نفسها؟".
لبنان تحت الرقابة؟
قبل أيّام، نشرت &laqascii117o;سي أن أن" تقريراً ينسب لمصدر حكومي أميركي قوله، إنّ غلن غرينوالد بات يستند في معلوماته الموثّقة، على مسرّب جديد، &laqascii117o;أو سنودن ثانٍ". يرفض الصحافي الأميركي في اتصاله مع &laqascii117o;السفير" التعليق على الأمر، فلا يؤكّده ولا ينفيه. التكهّنات وجود مسرّب جديد تأجّجت بعد نشر 'ذا انتسربت' تقريراً الأسبوع الماضي، أعدّه الصحافيان جيريمي سكايهل وريان ديفرو،يوضحان فيه كيف تقوم الاستخبارات الأميركيّة بتوزيع نشاطها على &laqascii117o;المجموعات الإرهابيّة حول العالم". وتبيّن بحسب الأرقام المنشورة، أنّ &laqascii117o;حزب الله"، يندرج ضمن &laqascii117o;المنظمّات الإرهابيّة" التي تتعقّبها &laqascii117o;وكالة الأمن القومي". وبحسب التقرير، تعقّبت الوكالة 21,199 عضواً في الحزب. فمن تطال عمليّات التعقّب تلك، خصوصاً أنّ تعبير &laqascii117o;عضو في حزب الله" يمكن أن يحمل تفسيرات عدّة، وقد يشمل مواطنين لبنانيين، لا ينشطون في &laqascii117o;عمليّات الحزب العسكريّة"؟ يردّ غرينوالد: &laqascii117o;لا أستطيع الإفصاح حالياً عن معلومات لم ننشرها بعد، أو لم نقم بتوثيقها، لكن لا يخفى على أحد أنّ إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية لديهما اهتمام واسع بمراقبة &laqascii117o;حزب الله"، كما يظهر في الوثائق التي نشرناها أخيراً. وتعريفهم لـ&laqascii117o;حزب الله" كان دائماً واسعاً، ولا يتضمّن فقط من ينضوون تحت ظلّ العمليّات العسكريّة، بل قد يكون أيّ شخص مرتبط بالحزب، في مكتبه السياسي، أو الجمعيات التابعة له، أو القريبة منه. وقد تمّت بالفعل محاكمة أشخاص في الولايات المتحدة، لقيامهم بإرسال أموال لمقرّبين من &laqascii117o;حزب الله". وكما يمكن أن نفترض، فحين تقول الوثائق إنّ الاستخبارات تتجسّس على &laqascii117o;حزب الله"، فهم لا يعنون فقط الجناح العسكري". قد يعنون نصف الشعب اللبناني، نسأل؟ يتحفّظ غرينوالد عن الردّ.
المصدر: صحيفة السفير

2014-08-11 22:33:05

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد